مفتاح

كورونا .. محنة الوباء وفرصة الرخاء

كان مشهد الأسابيع الماضية مثيراً على الصعيد الاقتصادي، إذ لا تزال المملكة تثبت يوماً بعد يوم نضجاً في السياسات المتخذة وجدية في التنفيذ على أرض الواقع، واضعة أمام أعينها خطة التحول بعزيمة دائمة رغم ضغوطات وباء كورونا المستجد العميقة حالياً على الاقتصاد العالمي وتداعياته المحلية، بيد أنه لا مناص من تنفيذ مشروع العبور الاقتصادي والتحول الاستراتيجي الذي شرعت به قبيل سنوات.
على مستوى تداعيات الفيروس، تعطينا جميع المؤشرات الحالية نجاح الدولة في التصدي لهذه الأزمة، ليس على الجانب الصحي فحسب، بل وحتى تحركات الدولة الاستباقية التي كانت مضرب مثل واتباع للإقليم والمحيط العربي وحتى العالمي، حيث برغم كل التبعات السلبية التي خلفها الوباء على الواقع الاقتصادي، إلا أن المصدات التي وضعتها الدولة من خلال حزم الدعم ومبادرات التمويل وقائمة تطول من الإعفاءات والتأجيل بمبالغ تخطت حتى الآن 220 مليار ريال أعطت مفعولا مباشرا في صمود النشاط الاقتصادي في البلاد.
مؤخراً، رفعت الدولة الإغلاق بفتح كلي أمام كافة الأنشطة والمجالات للعمل والأعمال بعد قرابة 90 يوما عاشها المواطنون والمقيمون وفق مراحل حظر ومنع تجول مشددة في إطار الاحتراز ورفع الوعي الوقائي. ويتزامن مع رفع المنع الكلي تأكيدات السلطات الرقابية والصحية على التتبع الدقيق للأوضاع مع احتمال إغلاق منتظر إذا دعت الحاجة، لتؤكد المملكة بهذه الخطوات معالجة الضبط العام ورعاية صحة الإنسان، في الوقت الذي تعزز فيه عودة الحياة الاقتصادية إلى طبيعتها في ظل الأزمة الجارية ورسم خطط ما بعد زوال الوباء.
وليكون الكلام بالشواهد، صدر منذ أيام تقريران معياريّان عن منظمات دولية مرموقة، الأول تقرير التنافسية العالمي 2020 الصادر عن مركز التنمية الإدارية الدولي الذي كشف عن تقدم مركز السعودية في التنافسية إلى المرتبة الـ 24 مسجلة التحسن الوحيد بين بلدان منطقة الشرق الأوسط والدول العربية رغم الجائحة. أما الثاني فهو تقرير الاستثمار العالمي 2020 الصادر عن منظمة “أونكتاد” والتي أفصحت فيه عن نمو الاستثمارات الأجنبية المباشرة في السعودية رغم فيروس كورونا، مشيرة إلى أن الاقتصاد السعودي يعد الملاذ الأكثر ثقة في منطقة الشرق الأوسط.
وقريبا من هذا، تسنح فرصة تاريخية، ربما لن تكرر قريبا، أمام صندوق الاستثمارات العامة – الذراع الاستثماري الخارجي للدولة- نحو الذهاب إلى مزيد من تعزيز مكوناته ورفع حصته في الاسثتمارات الخارجية لاسيما مع تدني أسعار أسهم الشركات العالمية الناجحة والمنشآت الإنتاجية والتصنيعية ذات المستقبل الواعد.
إن ما تسببت به جائحة كورونا من تهاوٍ للأسواق المالية وتراجع في قطاع الأعمال العالمي أدى لوصول أسعار تلك الشركات إلى قيعان مغرية للشراء، تنبئ عن عوائد مجزية، ليس على المدى المتوسط أو الطويل، بل فور بروز بوادر التخلص من الفيروس وعودة الاقتصاد العالمي إلى طبيعته.
لا نخفي آمالنا وتطلعاتنا الضخمة المعلقة – بعد الله – في هذا الصندوق الذي ضخت الدولة فيه مؤخراً من الاحتياطيات ما قيمته 150 مليار ريال لتقوية مركزه المالي ودفعه للتقدم خطوات إلى الأمام من أجل الاستفادة من الفرصة الاستثمارية التاريخية.
الآمال والتطلعات لا تأتي من فراغ بل تؤكد تجربة الاستثمار المالي السعودي على مستوى مؤسسة النقد العربي السعودي وحتى على نطاق القطاع الخاص، حنكة وذكاء نجحت في تحقيق أداء ونتائج مذهلة. صندوق الاستثمارات العامة، في رأينا المتواضع، لا يقل كفاءة بل يضم أبرز الخبرات والكفاءات، وفوق هذا يحظى بثقة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان – حفظه الله- الذي خول الصندوق بصلاحيات الآمال المنتظرة ليقوم بدور استراتيجي في عملية التحول والتنوع الاقتصادي المنشود.
أخيراً، نشدّ يدنا مع جميع الجهات ومطالب السلطات بضرورة العناية الفائقة بالإجراءات الاحترازية وتوخي الحذر والحيطة الدائمة والذهاب إلى الأعمال ومزاولة المناشط وفق أعلى تدابير الوقاية الصحية، لكي نسجل أنفسنا نموذجا يحتذى للعالم، دعونا “نعود بحذر” لنحول محنة الوباء إلى فرصة رخاء.