استثمار

قفز إلى “التاسع” بين أكبر الصناديق “السيادية” عالميّاً
صندوق الاستثمارات العامة.. “صائد” الفرص!

الرميان: عوائد حصة “سابك” ستدعم استراتيجية الصندوق لقيادة التحول الاقتصادي

السويلم: الصندوق و”أرامكو” يؤسسان برؤية مستقبلية  لتاريخ اقتصادي جديد

عشرة قطاعات حيوية تتوزع أنشطة الصندوق الاستثمارية لتملكّها

الصناعة والنقل واللوجستيات والتقنية والطاقة والعقار الأكثر استقطابا للاستثمار

ثلاثة تريليونات دولار قيمة أصول مستهدفة للتملك لصندوق الاستثمارات

.. وفي كل محنة منحة، هكذا تمكّن صندوق الاستثمارات العامة السعودي من تحويل وباء “كورونا” إلى فرصة تاريخية يقتنصُ من خلالها المكاسبَ الاستثمارية، وبدلاً من الانكماش، إذا به يتوسّع عالميّاً، ويتحول إلى “صائد” يسعى وراء الفرص الاستثمارية، متحدّياً كل الموانع والقيود التي أعاقت العالم، ومُحوّلاً طموح وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بشأن الصندوق ــ وبتوجيهاته ــ إلى واقع، وحلمَه ــ بمتابعته ــ إلى حقيقة.. فقد وعدَ أن يكون الصندوق هو الأكبر والأكثر تأثيراً من نوعه في العالم.. لم تمض سنواتٌ قليلة حتى كان صندوق الاستثمارات العامة السعودي ــ ووفق رؤية 2030 ــ عند مستوى الثقة، وأهلاً لها، وجاءت الجائحة كفرصة تاريخية واعدة لعملاق الاستثمارات السعودية، إذ تفتحت أمامه فرص عدة للاستحواذ، على الرغم من تداعيات الانحسار الاقتصادي العالمي.. “على الأرض” اتّجه الصندوق، منذ اندلاع الوباء، إلى توسيع مجالات استثماراته في الأسواق العالمية، مستفيداً من تراجع أسهم كبريات الشركات في نيويورك ولندن وطوكيو، ساعياً لتحقيق هدفه المعلن، أن يكون واحداً من أكبر الصناديق الاستثمارية في العالم. “وفي النتائج” نجح إلى حد كبير في خفض الاعتماد على النفط وتنويع مصادر الدخل من خلال تعزيز دوره، وتنمية قطاعات اقتصادية محلية، لرفع مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي وزيادة عوائده منها لتمويل الميزانية.. إلى مزيد من تفاصيل تحركات صندوق الاستثمارات العامة في التقرير التالي..

“الاستثمارات العامة” الذي يعد أحد الآمال التي تعلق المملكة عليها الطموح بأن يكون قناة جديدة لتغذية حسابات الدولة وأداة حديثة تحيّد النفط كمصدر دخل وحيد للبلاد، سجل حراكا واسعا خلال الأسابيع الماضية للاستفادة من الفرصة التاريخية السانحة لاقتناصها.

 

وأجمع خبراء مختصون في المجال الاقتصادي والاستثماري أن ملامح تحركات الصندوق توحي باتجاهه قدما في الخطط التي يستهدفها حاليا، مشيرين إلى أنه نجح خلال الجائحة في الوصول لأهداف وفرص استثمارية واعدة على مستوى جودتها المالية ومستقبل أعمالها.

 

46 عاما في خدمة الوطن

محافظ صندوق الاستثمارات العامة ياسر الرميان

تاريخ عريق يمتد بصندوق الاستثمارات العامة السعودي لأكثر من 46 عاما ظل خلالها رافدًا اقتصاديا في تطوير العديد من الكيانات الاستثمارية الوطنية، إلا أن العام 2015 شكل حدثا جوهريا حيث تغيرت سياسة الصندوق وأهدافه بنقلة نوعية تم على إثرها ربط الصندوق بمجلس الشـؤون الاقتصادية والتنمية تحت رئاسة سمو الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء، فـي خطـوة مهمة منحت الصندوق صلاحيات أعم، وكلفته بمهام أشمل، كما زادت أصول الصندوق من 570 مليار ريال في الربع الرابع العام 2015 إلى 840 مليار ريال في الربع الثالث من عام 2017، لتقفز مؤخرا إلى 1.3 تريليون ريال، وفقا لما تم الإفصاح عنه إحصائيا.

 

ويحظى الصندوق منذ ذلك الوقت، بعناية فائقة من الدولة، إذ يرأس ولي العهد مجلس الإدارة،ويضم في عضويته كلاً من الدكتور إبراهيم بن عبدالعزيز العساف وزير الدولة، عضو مجلس الوزراء، والدكتور  ماجد بن عبدالله القصبي وزير التجارة، و محمد بن عبد الملك آل الشيخ وزير الدولة، عضو مجلس الوزراء، والمهندس خالد بن عبدالعزيز الفالح وزير الاستثمار، محمد بن عبدالله الجدعان وزير المالية محمد بن مزيد التويجري، المستشار في الديوان الملكي، إضافة لأحمد بن عقيل الخطيب وزير السياحة وياسر بن عثمان الرميان محافظ صندوق الاستثمارات العامة.

 

ثلاثة تريليونات

وبالتقصي عن الإحصائيات والبيانات المتعلقة بالصندوق، يكشف الموقع الرسمي لصندوق الاستثمارات العامة، استشهادا بحديث ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، فإن صندوق الاستثمارات العامة سيكون أكبر صندوقٍ سيادي في العالم، بقيمة أصول منتظرة بنحو ثلاثة تريليونات دولار، إلى جانب الفرص الاقتصادية الجديدة التي سيتيحها أهمها دوره في تحويل المملكة إلى قوة استثمارية عالمية.

ويستشهد موقع الصندوق بقول ولي العهد “نهدف إلى أن يلعب الصندوق دوراً مهماً في الجهود الاستثمارية والتنموية في مختلف أرجاء العالم دون استثناء، وتمثّل هذه الرؤية خريطة طريق لأهدافنا في مجالات التنمية والاقتصاد”.

د. خالد السويلم

ويقول الدكتور خالد السويلم عضو وخبير سابق بمعهد كينيدي بجامعة هارفارد وخبير زائر بجامعة ستانفورد أن قرار الدولة بتحول الاقتصاد الوطني إلى منظومة ذاتية ساهم في تسريع عملية إيجاد دخل مستدام للدولة مع التطور الذي شهده الصندوق خلال السنوات الماضية.

 

وأضاف السويلم كانت بداية صندوق الاستثمارات العامة بشكله الجديد من الصفر قبل حوالي أربع سنوات حيث لم يكن يوجد جهاز استثمار حقيقي لدى الصندوق عندما كان تحت مظلة وزارة المالية، مشيرا إلى أن الصندوق ظل خلال الطفرة المالية التي وصلت فيها مداخيل الدولة إلى أرقام قياسية بدون أية رؤية مستقبلية أو محاولة لبناء دخل مستدام للدولة.

 

وفي نظر كثير من المختصين، وفق السويلم، كان صندوق الاستثمارات وقتها جهازاً بيروقراطياً خاملاً، وأضاف “الان وفي فترة قصيرة نرى الصندوق السيادي السعودي بجانب شركة أرامكو العملاقة يكتبان تاريخاً جديداً للمملكة من خلال رؤية مستقبلية طموحة بما يحقق الرفاه للمملكة”.

الصندوق يستهدف تحويل السعودية لقوة استثمارية استراتيجية عالمية

الصندوق يمتلك 6 محافظ استثمارية اثنتان تستهدفان الأصول العالمية

صندوق الاستثمارات يقفز إلى المرتبة التاسعة بين كبريات الصناديق السيادية في العالم

جمعة: استراتيجية الصندوق تنوع الاستثمارات بشرط الجودة والمتانة المالية

كردي: لابد للصندوق من تكثيف الفرص الخارجية تعظيما لأصوله

منهجية جديدة

ولأن القائمين على الصندوق يهدفون أن يكون قوة محرّكة للاستثمار والجهة الاستثمارية الأكثر تأثيراً على مستوى العالم، كان لابد من منهجية جديدة تمثل خارطة طريق واضحة المعالم ليسير عليها الصندوق في مستهدفات أعماله، لذا أعلن عن تبنيه إطلاق قطاعات وفرص جديدة تساعد على رسم ملامح مستقبل الاقتصاد العالمي، وأن يدفع عجلة التحول الاقتصادي في السعودية.

وبحسب الرؤية الجديدة ، يلتزم الصندوق بامتلاك محفظة قوية ومتنوعة من الاستثمارات في الداخل والخارج، وهو ما حصل بالفعل حيث عمل خلال السنوات الأربع الماضية على تطوير محفظة استثمارية تتألف من استثمارات محلية وعالمية– كما يصفها- في عدّة قطاعات وأصناف من الأصول وعلى امتداد جغرافي واسع، وفق استراتيجية تركز على تحقيق عائدات مالية ضخمة وقيمة حقيقية طويلة المدى للدولة.

ويمتلك صندوق الاستثمارات العامة 6 محافظ استثمارية، محفظتان منها تستهدفان الاستثمارات العالمية، وجزء يتركز على قطاعات محددة تتيح توسيع نطاق انتشار المملكة وتحقق أثراً اقتصادياً مرتفعا أو مرتبطاً بصناعات مستقبلية.

والمحفظة العالمية الأخرى تركز على تنويع مصادر السيولة والدخل من خلال الاستثمارات ذات الدخل الثابت والأسهم العامة والخاصة والعقارات والبنية التحتية والاستثمارات البديلة مثل صناديق التحوط. وتعمل أربع محافظ في الاستثمارات المحلية، حيث تشكل محفظة الاستثمار في الشركات السعودية الجزء الأكبر من أصول الصندوق، وتشمل الشركات المدرجة في سوق الأسهم السعودية والشركات غير المدرجة.

سياسة التنوع

وتتوزع محافظ الصندوق على 10 قطاعات، تشكل الصناعات والنقل والخدمات اللوجستية %41.8 منه، والاتصالات وتقنية المعلومات %20.6، والمؤسسات المالية %19.7، والطاقة %9.5، والعقارات والبنية التحتية %5.4، فيما تتوزع البقية على التجزئة والترفيه والتعلم والرعاية الصحية والمواد الغذائية والاستهلاكية والزراعة.

ويملك صندوق الاستثمارات العامة حاليا على المستوى الدولي حصصا في 24 شركة أمريكية حتى نهاية الربع الأول من العام الجاري، والنصيب الأكبر من تلك الشركات في قطاع التكنولوجيا، كما يتملك في 6 شركات بالقطاع الصناعي تمثل ربع الشركات التي يستثمر فيها الصندوق، يليه قطاع الطاقة بخمس شركات، ليمثل القطاعان معا نحو نصف الشركات المملوكة من الصندوق في الأسواق الأمريكية.

ويؤكد الدكتور فهد بن جمعة عضو لجنة الاقتصاد والطاقة في مجلس الشورى أن صندوق الاستثمارات السعودي يتميز برؤية تكاملية وسياسة متنوعة بين عالية وقليلة المخاطر، مشدداً على أن الاستثمارات دائما ما تكون ضمن محفظة متنوعة في إطار تطبيق استراتيجية عكسية تستهدف التعويض المباشر.

ويقول جمعة في حديث  لـ”الاقتصاد”: “علينا أن ننظر لانخفاض الأسهم على المدى الطويل والقصير، الأسهم التي انخفضت بسبب جائحة كورونا ستعود لترتفع مجددا وبشكل أكبر”، مستطرداً :”أتاحت الجائحة فرصاً استثمارية، عندما تكون الأسهم مقيمة بأقل من قيمتها، ومكرر الربح متوسط، سيكون الشراء خيار مثالي … الصندوق حاليا يعمل وفق استراتيجية ينوع من خلالها استثماراته في شركات معروفة بجودتها وقوتها المالية”.

ويلفت بن جمعة إلى أن استثمارات الصندوق حاليا لا تدخل في الموازنة العامة، ويتابع بتفصيل أكثر :”هو صندوق سيادي مستقل عن الموازنة العامة للدولة، الصندوق جزء من استثمارات الحكومة لتعزيز احتياطاتها النقدية على المدى البعيد، مثل صندوق النرويج السيادي، لا علاقة له بالموازنة ولا يمولها، مؤخرا بدأت الحكومة النرويجية في سحب مبالغ قليلة منه”.

البوعينين: الاستثمارات تتخطى القطاعات التقليدية إلى هدفي التنمية وتنويع الدخل

باعشن: الصندوق يتطلع للاستفادة من التغييرات الاقتصادية نتيجة جائحة كورونا

150 مليار ريال ضخ حكومي استثنائي دعما لاستثمارات الصندوق في الفرص العالمية

معهد الصناديق السيادية: أصول صندوق الاستثمارات ارتفعت إلى 1.3 تريليون ريال بنسبة %137 منذ 2015

حصة الصندوق في “سابك” توصل “أرامكو” للتحول إلى مجموعة طاقة عالمية

30 مبادرة لرفع قيمة أصول الصندوق إلى 1.5 تريليون دولار نهاية 2020

توفير السيولة

ويكمن السؤال في الوقت الراهن، كيف استفاد الصندوق من الفرصة التاريخية التي أتاحتها له جائحة فيروس كورونا للاستفادة من الاستثمارات الواعدة والتي ربما لن تتكرر قريبا. للإجابة، لابد من تتبع حراك الصندوق، إذ سعى منذ فترة إلى توفير السيولة المليارية التي تمكنه من حسم الصفقات وقنص الفرص المتوافرة.

وبالفعل نجح الشهر الماضي في توفير الكثير من السيولة لتدعيم استثماراته، تولدت من بيع حصته في الشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك) التي تبلغ %70 لشركة أرامكو السعودية، مما وفر له 259.1 مليار ريال (69 مليار دولار).

ليست مليارات “أرامكو” فحسب، بل حظي الصندوق بدعم حكومي إذ كشف وزير المالية الشهر الماضي أنه تم ضخ 150 مليار ريال من الاحتياطيات الأجنبية لدى مؤسسة النقد العربي السعودي إلى صندوق الاستثمارات العامة بشكل استثنائي خلال شهري مارس وأبريل الماضيين. وقال محمد الجدعان حينها، أن ضخ هذه الأموال “سيسمح له بمواصلة الاستثمار في الأسواق العالمية، سواء من الناحية التكتيكية أو على المدى الطويل وللاستفادة من الفرص التي باتت متاحة”.

وبفضل هذا الدعم، انتزع صندوق الاستثمارات العامة السعودي، خلال الأشهر الخمسة الأخيرة، حصصًا بأكثر من 29 مليار ريال – وفق التقديرات- في عدد من الشركات الأمريكية والأوروبية الكبرى، مستفيدا من تراجعٍ قوي في تقييمات هذه الشركات وسط تفاقم تداعيات جائحة كورونا.

الحسم الاستثماري

وكان ياسر الرميان محافظ صندوق الاستثمارات العامة أفصح في أبريل الماضي عن القطاعات المتاحة للصندوق في خضم أزمة كورونا، حيث قال خلال مؤتمر افتراضي عقدته مؤسسة مبادرة مستقبل الاستثمار في السعودية، التالي: “نحن نبحث عن أي فرصة، وأنه وبمجرد انفتاح الاقتصاد، أعتقد أننا سنرى الكثير من الفرص”.

وأوضح الرميان أن القطاعات التي قد تتوفر فيها فرص تتمثل في شركات الطيران، وشركات الطاقة، وقطاع الترفيه، مشيراً إلى أن ما يمر به العالم في الوقت الراهن، هو أزمة صحية، وما يحدث في الاقتصاد هو نتاج لتلك الأزمة.

وعلى أرض الميدان، جاءت الأخبار تتعاقب عن تحركات حسم استثماري قام به الصندوق مؤخراً حيث أظهر إفصاح لهيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية أن صندوق الاستثمارات العامة رفع حيازته من الأسهم الأمريكية في محفظته من ملياري دولار إلى نحو 10 مليارات دولار منذ مطلع العام، مبينا أن الصندوق اشترى حصة تبلغ 713.7 مليون دولار في شركة صناعة الطيران العالمية “بوينغ” وحصة تقدر بنحو 522 مليون دولار في المجموعة البنكية الأمريكية المعروفة “سيتي بانك” وكذلك في ذات القطاع حصة بقيمة 487.6 مليون دولار في “بانك أوف أمريكا”.

وبحسب الأنباء التي تداولتها وكالات عالمية، اشترى الصندوق حصة بقيمة 520 مليون دولار في قطاع التقنية الرقمية عبر موقع “فيسبوك” الشبكة الاجتماعية الأشهر عالميا، بجانب حصة تقارب 496 مليون دولار في قطاع الترفيه من خلال شركة “ديزني”، كما استحوذ في الربع الأول على حصة %8.2 في القطاع السياحي عبر شركة “كارنيفال للسفن السياحية” والتي تأثرت بشكل كبير بتداعيات كورونا.

أما في قطاع الطاقة، فامتلك صندوق الاستثمارات العامة حصة تبلغ نحو 828 مليون دولار في شركة “بي بيه” البريطانية المعروفة مستفيداً من تراجع أسهمها مؤخرا إلى أدنى مستوياتها في عامين، وحصة في “رويال دتش شل” الهولندية بنحو 484 مليون دولار وحصة في “توتال” الفرنسية بقيمة 222 مليون دولار وحصة بقيمة 481 مليون دولار في “سنكور إنرجي” العالمية.

معايير الاختيار

عضو لجنة الاقتصاد والطاقة في
مجلس الشورى د فهد بن جمعة

من جانبه، يشدد الدكتور فهد بن جمعة على أن خطوة ضخ المليارات في الصندوق هدفت بشكل ذكي لتوسيع الاستثمارات التي تحتاج لتمويل أكبر، ويضيف: استخدام الاحتياطي النقدي هو الخيار الأمثل في هذا الوقت لأن العوائد ستكون أكبر، وهو ما يمكن الصندوق من إعادتها لاحقا وتحقيق ربح أعلى. ويتابع: حالياً الاقتراض بفائدة أقل، أفضل من السحب من الصندوق الذي يستثمر بأرباح أعلى.

وسرعان ما أتت هذه الاستثمارات أُكلها، حيث أظهرت تحليلات اقتصادية مؤخرا – حتى موعد إعداد التقرير للنشر-، أن القيمة السوقية لمحفظة الصندوق في أسواق الأسهم الأمريكية قفزت إلى %32.1 بما يعادل 11.7  مليار دولار خلال 65 يوما، لتبلغ القيمة السوقية الإجمالية لأسهمه 12.9 مليار دولار في يونيو الماضي، مقابل 9.78 مليار دولار بنهاية الربع الأول من العام.

ووفقا لوحدة التقارير في صحيفة الاقتصادية المتخصصة استندت إلى بيانات السوق المالية الأمريكية، ارتفاع أسهم الـ24 شركة التي تضمها محفظة الصندوق بنسب تراوحت بين %8.3 في أدناها و%63.3 في أعلاها. وجاءت شركة أوبر أكبر الشركات من حيث قيمة الزيادة خلال الفترة، بنحو 677 مليون دولار، كما سجلت شركات “كارنيفال للنقل” الأمريكية و”ناشونال ريسورسيز” الكندية وفنادق “ماريوت” العالمية، و”مجموعة سيتي جروب” الأمريكية، وموقع “فيسبوك”، و”بوينج للطيران” الأمريكية، بالإضافة إلى شركة “بوكنج للحجوزات والسفر” قفزات ملموسة في قيمتها.

تحركات مثالية

من جانب آخر، يصف الخبير الاقتصادي الدكتور أسامة كردي عضو مجلس الشورى السابق تحركات الصندوق الأخيرة بـ”المثالية” التي جاءت في وقتٍ وبأهدافٍ مناسبة للمساهمة في تحقيق رؤية 2030 في مقدمتها تنويع مصادر دخل الاقتصاد من خلال استثمارات متعددة.

وقال كردي لـ”الاقتصاد”: إنها ضربة معلم.. الدخول في هذه الاستثمارات المتوقع أن تحقق مردودا جيدا، هي شركات مهمة وتوقعات ربحيتها عالية مستقبلا ..أتمنى أن يستمر الصندوق في هذه التوجهات، وأن يركز على السوق الدولية، لأن الفرص فيها عالية، ويتحقق فيها الهدف.

ويضيف: ستنعكس هذه الاستثمارات على مالية الدولة بشكل عام.. هي لا تنعكس بشكل مباشر على الاقتصاد المحلي وتوفير الوظائف، ولكن يتوقع أن يسهم الدخل الذي ستحققه في دعم الميزانية الحكومية، وقد يكون لهذه الشركات التي تم الاستثمار فيها نشاط وفروع في السوق الداخلية، أو ربما يكون لها تأثير مباشر على النمو الاقتصادي، كما أنها تنعكس بشكل جيد على ميزان التبادل التجاري مع الدول.

ودعا الدكتور كردي إلى أن يعمل الصندوق بشكل مكثف في الفرص الخارجية، معتبرا أنه في الداخل هناك نشاط كبير وقوي للقطاع الخاص، ويضيف: حاليا يسعى الصندوق لرفع قيمته المالية، ليكون واحدا من أكبر الصناديق في العالم، ويقوم بالاستفادة من إيرادات هذه الاستثمارات في شراء استثمارات جديدة، حتي يتوسع ويتضخم بشكل أكبر.

قفزة التصنيف

وأمام هذه الجهود والأهداف والتحركات على أرض الواقع، أعلنت مؤسسة إس دبليو إف – المتخصصة في دراسة استثمارات الحكومات والصناديق السيادية – (إحدى التصنيفات المعيارية الموثوقة) في آخر تقرير لها صدر في مايو الماضي، أن صندوق الاستثمارات العامة حل في المركز التاسع ضمن أكبر الصناديق السيادية في العالم، بأصول بلغت 1.350 تريليون ريال (نحو360 مليار دولار)، بعد أن نجح الصندوق في توسيع استثماراته لتشمل حصصا في عدة شركات أمريكية المذكورة سلفا.

ووفقا لـ “إس دبليو إف”، جاء صندوق التقاعد الحكومي النرويجي في المرتبة الأولى كأكبر صندوق سيادي في العالم، بأصول بلغت 1.18 تريليون دولار، بينما حلت شركة الصين للاستثمار في المركز الثاني بأصول قيمتها 940.6 مليار دولار، تلاها جهاز أبوظبي للاستثمار بقيمة أصول بلغت 579.6 مليار دولار، ثم الهيئة العامة للاستثمار الكويتية في المركز الرابع بقيمة أصول 533.7 مليار دولار.

وبحسب التقرير بلغ إجمالي موجودات الصناديق السيادية المصنفة البالغة 93 صندوقا 8.23 تريليون دولار. وكان صندوق الاستثمارات العامة احتل المرتبة 10 في العام الماضي بأصول حجمها 320 مليار دولار.

الخبير الاقتصادي وعضو مجلس الشورى
السابق د. أسامة كردي

الرؤية الواضحة

وفي تعليق التقرير، يرى أن توجهات الصندوق السعودي تمضي وفق رؤية واضحة، مشيرا إلى أنه يسعى لبرنامج طموح وبهدف أن يكون من أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم، مفيدا أنه لتحقيق الهدف بدأ يوسع نشاطاته بشكل كبير منذ العام 2018 من خلال جملة استحواذات عملاقة حيث أعلن عن استحواذه على حصة مهمة في شركة “أكوا باور” للطاقة السعودية، ليصبح مساهماً مباشراً في الشركة بنسبة %15.2، لترتفع ملكية الصندوق في الشركة لنسبة %25، كما استثمر الصندوق 400 مليون دولار في شركة “ماجك ليب” المتخصصة في تطوير تكنولوجيا تقنيات الواقع الافتراضي، كما  وسع الصندوق نسبته في  شركة دعوات للأغذية المحدودة التابعة لصندوق الأعمال الزراعية في الهند لتصل %30.

جاء ذلك بعد أسابيع قليلة من استحواذ الصندوق على حصة قدرها %5.7 في شركة “لايف نيشن إنترتنمنت”، المتخصصة في الترفيه العالمي والمدرجة في بورصة نيويورك، بالإضافة لذلك، اشترى الصندوق في وقت سابق حصة بقيمة 200 مليون دولار في شركة “إكوينور” النرويجية للنفط.

المحلل الاقتصادي
فضل البوعينين

لحظات اليقين

إلى ذلك، يعتقد الدكتور عبدالله باعشن، رئيس مجلس إدارة الفريق الأول للاستشارات الاقتصادية، أن الصندوق السيادي السعودي، شهد تحولات كبرى في استراتيجيته وأهدافه خلال السنوات الأربع الماضية، مؤكدا في حديثه لـ”الاقتصاد: أن الصندوق كان في السابق يتوجه للملاذات الآمنة، غالبا ما تكون في السندات الحكومية أو الشركات القوية، ليكون التحوط هو العلامة البارزة.. لكن في المقابل تكون العوائد منخفضة.

وتابع: منذ عام 2016 بدأ في التوجه للأسواق الدولية، وتدعيم الصندوق بكفاءات عالية سواء محليا أو دوليا لتدعيم خططه، لهذا بات من الملاحظ أن الصندوق يتوسع بشكل كبير، حتى لامس 460 مليار دولار مع الدعم الأخير له، ليكون واحدا من أكبر عشرة صناديق في العالم.

ويشدد باعشن أن الصندوق بدأ في الاستفادة من التغييرات الاقتصادية العالمية، سواء حالة عدم اليقين من تأثيرات فيروس كورونا عالميا، والحرب الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين، وتذبذب أسعار النفط، كل هذه الأمور أثرت على الأسواق العالمية وحركة الاقتصاد.

ويضيف أن توجه الصندوق للسوق الأمريكية بعد أن عانى من انخفاض جاء بعد أن لامس الـ30 ألف نقطة ليتراجع لنحو 23 ألف نقطة، هذا عامل مؤثر لخبراء الأسواق المالية، أن السوق ستعود بقوة مستقبلا، وأن الاستثمار فيها سيكون مجزيا بشكل كبير، سواء على المدى القصير أو البعيد.

رئيس مجلس إدارة الفريق الأول
للاستشارات الاقتصادية د. عبد الله باعشن

وزاد: الاقتصاد الأمريكي مازال قويا ومتماسكا، مؤكدا أن دخول الصندوق للأسواق العالمية كان حذرا وذكيا، لأنه توجه نحو قطاعات عانت من نكسة مؤقتة بسبب جائحة كورونا كمجال الطيران والسياحة والترفيه.

ولفت باعشن إلى أن الوباء لن يستمر طويلا، بل ينتظر أن تعود القطاعات للارتفاع مجددا، وهو ما يفسر شراء الصندوق لبعض الاسهم التي ما لبثت أن ارتفعت بنسب تتراوح بين 30 و%40.

الهدف، وفق تصور باعشن، الدخول والخروج بشكل منظم لدعم السيولة في الصندوق، وإعطاء مساحة لإضافة عوائد جديدة مستقبلا، ودعما للأموال الناعمة للدولة، والتي ستحقق من خلالها علاقات تجارية و اقتصادية مع دول العالم.

ثلاثون مبادرة

وبالعودة إلى توجهات استراتيجية الصندوق، يتضمن برنامجه للأعوام الثلاثة قرابة 30 مبادرة حتى نهاية العام الجاري، تعمل على رفع قيمة أصول الصندوق إلى 1.5 تريليون ريال (400 مليار دولار) بنهاية 2020، وهنا عند العودة لبيانات المعهد الدولي لصناديق الثروة السيادية (إس دبلو إف) الآنفة، نرى أنه قدر أصول صندوق الاستثمارات العامة حتى الآن بقيمة 360 مليار دولار (1.35 تريليون ريال)، ليصل بذلك الصندوق إلى مستهدفه في إطار برنامج التحول الوطني.

ويستهدف الصندوق توليد 20 ألف وظيفة محلية مباشرة، أكثر من نصفها يتطلب مهارات عالية، و256 ألف وظيفة بناء، إضافة إلى زيادة مساهمة الصندوق في إجمالي الناتج المحلي الحقيقي من %4.4 إلى %6.3 والمساهمة في المحتوى المحلي بشكل مباشر بنحو 50 مليار ريال، كما تتضمن الخطط تعظيم الأصول الحالية للصندوق ورفع إجمالي العائد على المساهمين من %3 إلى %5.

وحول هذه الجزئيات، يقول الاقتصادي فضل البوعينين: الهدف المعلن للصندوق بعد إعادة هيكلته أن يكون الممول للميزانية مستقبلاً كما أن هناك هدفاً آخر مرتبطاً باستثمار %50 من أصول الصندوق في السوق المحلية بما ينعكس بشكل إيجابي على الاقتصاد ويسهم في تعزيز هدف تنويع مصادر الاقتصاد من خلال استثمارات الصندوق وشراكاته في قطاعات الاقتصاد الوطني.

وبين البوعينين أن توجه الحكومة، وفق  رؤية 2030، خفض الاعتماد على النفط وتنويع مصادر الدخل من خلال تعزيز دور صندوق الاستثمارات العامة وزيادة عوائده لتمويل الميزانية،  مضيفا: بدأ الصندوق بالفعل في تنمية قطاعات اقتصادية محلية، لرفع مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي وزيادة عوائده منها، كما أن استثماراته الخارجية تركز على تحقيق مزيد من النمو والعوائد التي يمكن أن تسد جانباً مهماً من احتياجات الدولة المالية.

ويشير البوعينين إلى أن استثمار الصندوق في قطاعات اقتصادية من خارج النفط كالتعدين والسياحة والصناعة والتقنية وغيرها يمكن أن يسهم في تحقيق هدفي التنمية وتنويع مصادر الدخل.

الفرص والأزمات

ويشدد المحلل الاقتصادي فضل البوعينين على أن الفرص تتولد من خلال الأزمات الحادة كجائحة كورونا التي تسببت في انخفاض أسواق المال وانهيار قيم أسهم الشركات، مضيفا في حديث لـ “الاقتصاد”: أنه من المؤكد أن هذه فرصة للصندوق للدخول في استثمارات جديدة بأسعار متدنية ما يعني خفض المخاطر وتعظيم فرص الربح بنسب مرتفعة.

ويعتقد البوعينين أن خطوات الصندوق في الأسواق العالمية واستثماره في قطاعات محددة، مغتنماً فرصة انخفاض الأسعار أمر جيد ولا شك، ومع ذلك فالصندوق يحتاج للتركيز على القطاعات المهمة للوطن او القطاعات الاستراتيجية التي يمكن من خلالها تحقيق الأمن الاستراتيجي في قطاعات مختلفة كالغذاء والتقنية والأمن وغيرها.

ويؤكد البوعينين أن الصندوق ما زال في البدايات بعد إعادة الهيكلة لذا يحتاج إلى وقت أطول لتحقيق أهدافه، ويتابع: أرجو أن يعتمد الصندوق استراتيجية الصندوق النرويجي في الاستثمار وأن يعزز الشفافية والرقابة لضمان تحقيق كفاءة الأداء؛ وأن يتحوط بشكل كبير من الكفاءات الأجنبية التي يتم استقطابها لضمان تحقيق الأمن الاستثماري والقانوني.

إجراءات مدروسة والتنفيذ بإتقان

من جهته يقول رئيس غرفة الشرقية عبد الحكيم بن حمد العمار الخالدي إن الخطوات التي اتخذتها الحكومة تحت إشراف ورعاية وتوجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان ووليّ عهده الأمير محمد بن سلمان كانت على أعلى مستوى من الإبداع فيما يتعلق بالفكر الاقتصادي، والحلول الاقتصادية الخلاقة والواعية بأدوات مواجهة الأزمات الصعبة، فهي من ناحية تعاملت بمرونة مع أعباء الوباء على الرغم من خطورته، رغم ما فرضه من مخاطر هزّت الاقتصاد العالمي، كما هزّت أنظمته الصحية، ومن ناحية أخرى حاولت أن تحمي الاقتصاد السعودي من تداعيات الزلزال الذي ترنحت أمامه أقوى اقتصادات العالم، صحياً، ففرضت إجراءات احترازية على نحو صارم، وتعاملت مع كل منطقة بقدر ظروفها، وفرضت حظراً كلياً في وقت تطلب الحظر الكلي، وخففت في المناطق التي يُراد عندها التخفيف، وفتحت للكل عندما وجدت أن القدرات تستطيع أن تستوعب المخاطر، واقتصادياً، تحملت بشجاعة ومسؤولية عن الجميع، وبما أثبت للعالم أجمع أن اقتصاد المملكة اقتصاد قوي، وأنها كوطن ملاذ آمن لكل أبنائه، وللمقيمين فيه، وعلى أرضه، وأنها بلد قادر على أن يحمي الجميع، وأن يوفر لقطاعاته الاقتصادية كافة كل فرص الانطلاق والنهوض والنجاح في كل الظروف.

ويرى نائب رئيس الغرفة بدر الرزيزاء أن ما أقدمت عليه المملكة من إجراءات في مواجهة جائحة كورونا يعد بكل المعايير موقفا تاريخيا سيبقى درسا لكل الأجيال السعودية ودليلا على ما تحظى به المملكة من قيادة استطاعت في المحنة الصعبة أن تواجه الخطر برباطة جأش، وبقوة عزيمة، وأن تعبر بالجميع من الأمواج العاتية المتلاطمة إلى شاطئ الأمان، وأن تقود البلاد كلها إلى بر السلامة، من خلال سياسات حكيمة، وحرص بالغ على سلامة الجميع.

رئيس اللجنة التجارية بالغرفة هاني العفالق يؤكد أن ما قامت به حكومة خادم الحرمين الشريفين من إجراءات على المستويين الصحي والاقتصادي يعتبر إعجازا بكل المقاييس، وأن السعودية استطاعت بفضل الله، ثم بحكمة قيادتها أن تتخطى أزمة تاريخية واستثنائية، على المستويين الاقتصادي والصحي، وبدون أية خسائر، سوى ما فرضته أخطار الجائحة وطبيعتها القاتلة التي تخرج عن تصاريف الإنسان وترتيباته، وأن ما ميّز إجراءات المملكة عن كثير من دول العالم، هو انصرافها بالدرجة الأولى إلى حماية مواطنيها، والمقيمين والحفاظ على أرواحهم، كما أنها أثبتت لأكثر من مرة وفي المحنة الصعبة أنها تستطيع اقتصاديا أن تتجاوز كل الصعوبات، وأن الاقتصاد السعودي متين ولا يهتز مهما كانت الأزمات.