نافذة

وجاءت قوافل الإصلاح

كانت التجارة في بلادنا في الثلاثينات الميلادية مجالا باستطاعة الكلّ تقريبا أن يزاوله. وذلك لما كانت الأمور مبسطة لا تحتاج إلا دكانا ومجموعة من الدفاتر “الأستاذ” و”الذمم” و”الصندوق”، هذا لمن أحب أن يُنظّم أموره بدقة، ويجعل من يأتي بعده أولاده مثلا، يعرفون ما كان يجري. غير أننا أفقنا ـ وربما فجأة ـ بتغيّر المناخ، ودخلت المصارف والاعتمادات والتخزين والتأمين إلى آخره.

في أوائل السبعينات الميلادية ونتيجة الفيضان المالي عجزت الأذرعة والرافعات والأرصفة عن اللحاق بطلبات المستوردين الملتزمين مع المقاولين عن احتواء المستورد من مواد البناء والشاحنات، فكانت ما أطلق عليه في حينها أزمة اختناق الموانئ، وتحمّل بعض المقاولين غرامات تأخير، وعنذئذ أحسّوا بوجوب “الإصلاح” وكان يعني عندهم آنذاك توسعة أرصفة الرسو واستقبال أعداد أكبر من الحاويات.

ولم يكن ـ فيما بدا لي ـ بين أولئك المقاولين مثقفون، وإن وُجد فثقافتهم “بزنس أدمينستريشن”، وشهوتهم الإصلاحية تحت الصفر. وذوو الكفاءات التقليدية عجزوا في أكثر من مرحلة عن التعاطي الصحيح مع متطلبات التجارة الضخمة المتوقعة. وهكذا وجدنا أنفسنا ملزمين بإسناد مشاريع النقل والرسو والإبحار والصيانة البحرية لأهل المعرفة والخبرة والدراية التنفيذية وبمؤسسات أخرى وضمن المفاهيم المتعارف عليها دوليا.

اتفق الفاهمون في الإدارة على أننا في زمننا الحالي شعرنا بالإنفراج الإداري، وما جاء ذلك إلا لأننا واجهنا المصاعب والتحديات العصرية بمن توفّرتْ لديهم خبرات سابقة ومسؤوليات ترتبط بالكفاءات.

بعد كل ما قلت جاءت إلينا القناعة لمعايشة الجديد، بنفس السرعة التي تقفز بها المستجدات، وليس بسرعة حاجة الماضي أو على منطق المفروض ثم المطلوب إثباته ثم البرهان ثم التقويم ثم الطرح للتداول.

عندي أن أزمة الموانئ مثل غيرها من الأزمات، لكن أقطاب وشرائح المستفيدين من تحسين عملية الرسو والإنزال والتناول والتخزين والنقل، هم كُثُر، فهم التاجر المستورد والناقل والمستهلك على السواء في الأهمية، فالاختلال والاكتظاظ في أحدهما سيُرى أثره على الآخر.

وأذكرأزمة من نوع آخر، وإن كان أثرها في البيئة الاقتصادية أقلّ، فكان جواز السفر يكلّف طالبه الحضور إلى مقر الجوازات القديم في شارع الوشم في العاصمة الرياض مع أو قبل صلاة الفجر، ليتمكن من تقديم أوراقه قبل الظهر. وكان طالب السفر يرى في الإصلاح القضاء على الأرتال ـ الطوابير ـ التي تقض مضجعه، فيرى مساحة القبح أوسع ويتذمّر وينادي بالإصلاح.

ثم جاءت أزمة القبول في الجامعات، وصاحبتها أزمات اجتماعية تمثلت في انتقائية تعيين ونقل المدرسات. وهذه سكاكين مشى على حدّها ليس المقاول أو مورّدو شاحنات الدّفان، بل مشى على حدها كل من حمل شهادة جامعية. وصار الجامعي لا يكتفي بهزّ الرأس تذمّراً أو سخطاً وإنما “ينكّش” الأدراج ويعبث بالأوراق ورقة ورقة، ويعرف كل الناس وألوان عيونهم وطول قاماتهم.

يفعل كل ذاك كي يعثر على تعريف لكلمة “الإصلاح ” ويبحث عمن تتوفر لديهم خبرات سابقة ومسؤوليات ترتبط بالكفاءات التخصصية ذات الصلة بالوظيفة الشاغرة.