غذاء

الظروف المناخية أكبر تحديات الأمن الغذائي
خريطة طريق سعودية للاكتفاء الذاتي الغذائي

برنامج التنمية الريفية تتجاوز قيمته 1.78 مليار دولار لإنتاج وتصنيع الفاكهة والأسماك والثروة الحيوانية والقهوة العربية

استراتيجية للتنمية المستدامة للزراعة تستهدف تقليل استخدام المياه بنسبة %30 بحلول 2030

برنامج لدعم الزراعة متعدد الجوانب للتحول إلى الزراعة العضوية وإنتاج أغذية عالية الجودة وترشيد استهلاك الغذاء

استثمارات بـ 200 مليون دولار لتقنيات الزراعة المربحة وزيادة الإنتاج العضوي بنسبة %300 بحلول 2030

قروض دون فوائد وخدمات دعم لتنويع المنتجات وأولوية لمحاصيل المياه المنخفضة وأنظمة الزراعة الفعالة

المملكة تتقدم في مؤشر الأمن الغذائي العالمي (GFSI) إلى المرتبة 30 من أصل 113 دولة

وفقا لتقديرات منظمة الأغذية والزراعة FAO وتوجهاتها، وبحسب اتجاهات النمو الديموجرافي، والزيادة السكانية العالمية، ومتطلبات سكان العالم من الغذاء في المستقبل، فإن قضية “الأمن الغذائي” تكتسب أهمية متزايدة يوما بعد يوم، تدفع بها إلى موقع متقدم من أولويات التعاون الدولي من ناحية، إضافة إلى اهميتها على المستوى “القُطري” أو الوطني والمحلى على صعيد كل دولة من ناحية أخرى.. الأداء السعودي في هذه القضية أعطى “الأمن الغذائي” الأهمية التي يستحقها في موقع أولويات المملكة، متجلياً في “رؤية السعودية 2030″، وبرنامج التحول الوطني، وعبر العديد من برامج التنمية الزراعية، والعديد من “الآليات” التي تضعنا أمام “خريطة طريق” سعودية بآفاق طموحة لا تستهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء فحسب، بل تحقيق الأمن الغذائي بمفهومه الأوسع والأشمل، ما يضع المملكة في موقع متقدم بين أهم الدول في هذا المجال، عالمياً.. في التقرير التالي ترصد “الاقتصاد” أبرز ملامح خريطة الطريق السعودية وبرامجها متعددة الجوانب والوجوه في قطاع الزراعة والتنمية الريفية المستدامة والمياه والبيئة والأمن الغذائي، والتي تكاد تنفرد بها المملكة ــ بالأرقام ــ وتتميز على دول المنطقة وعلى الكثير من دول العالم.. إلى التفاصيل..

وفقًا لتقرير الإنتاج الزراعي العالمي لعام 2019، تنمو الإنتاجية العالمية بمتوسط معدل سنوي يبلغ %1.63 فقط في الوقت الحالي. وستحتاج إلى الوصول إلى %1.73 على الأقل لإنتاج الغذاء والأعلاف والألياف والطاقة الحيوية على نحو مستدام لعشرة مليارات شخص كما هو متوقع بحلول عام 2050.

وتشكل الظروف المناخية تحديًا كبيرًا للأمن الغذائي في المملكة العربية السعودية، مثل الدول الأخرى في مجلس التعاون الخليجي، ولكن بفضل مركزها المالي القوي، تُعد المملكة العربية السعودية من بين أكثر الدول تفوقًا في الأمن الغذائي في العالم.

هناك فرق بين الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي. تعتمد المملكة العربية السعودية بشكل كبير على واردات المواد الغذائية من أجل الغذاء في الدولة. وهذا يعرضها للخطر، فإذا لم تتمكن الدول المنتجة أو المصدرة من إنتاج ما يكفي من الغذاء المخصص للتصدير، قد لا تتمكن السعودية من تأمين ما يكفي من واردات الغذاء. عزز ذلك أهمية الأمن الغذائي، وهو الأمر الذي لا يمكن تركه للأسواق دون تدخلات مباشرة.

إجراءات لتحقيق الاكتفاء الذاتي

أطلقت وزارة البيئة والمياه والزراعة برنامج دعم زراعي متعدد الجوانب عام 2019، لمساعدة صغار المزارعين على التحول إلى الزراعة العضوية وإنتاج أغذية آمنة عالية الجودة، والحفاظ على البيئة والموارد الطبيعية، وترشيد استهلاك الغذاء ومياه الري لإنتاج الموارد الغذائية، وتعزيز الإنتاج العضوي ودعمه.

كما وضعت الوزارة استراتيجية للتنمية المستدامة للزراعة تمتد إلى عام 2030، وتستهدف تخفيض استخدام المياه الزراعية بنسبة %30 بحلول عام 2030 عبر تحسين نظم الري والتخلص من المحاصيل كثيفة الاستخدام للمياه. فيما يجرى مناقشة رفع هذه النسبة إلى %50.

وتدفع الدولة نحو زيادة الزراعة في المناطق الريفية، حيث قدم برنامج التنمية الريفية الزراعية المستدامة لعام 2025 للمزارعين دعما ماليا بقيمة 2.33 مليار دولار من أجل تحقيق ذلك.

وقد افتتح الملك سلمان برنامج التنمية الريفية الزراعية المستدامة في قصر اليمامة بالرياض في عام 2019. ويهدف البرنامج، الذي تتجاوز قيمته 1.78 مليار دولار، إلى تعزيز عمليات إنتاج وتصنيع وتسويق الفاكهة والأسماك والثروة الحيوانية والقهوة العربية، وزراعة المحاصيل البعلية المطرية.

عبر تخصيص استثمارات بقيمة 200 مليون دولار، تخطط الحكومة لزيادة الإنتاج العضوي بنسبة %300 بحلول عام 2030، إلى جانب أهداف أخرى مثل استخدام تقنيات الزراعة المربحة باعتبارها مورداً مهماً للاقتصاد الوطني.

وتشمل البرامج الحكومية الأخرى تقديم قروض دون فوائد وخدمات دعم للتنويع من المنتجات، فيما تم تخفيض الدعم على المياه والوقود، مع إعطاء الأولوية لمحاصيل المياه المنخفضة وأنظمة الزراعة الفعالة، بدلاً من زراعة الحبوب، والتي تم حظرها جزئيًا في المملكة بسبب مخاوف تتعلق بالمياه.

ولزيادة الاستثمارات الأجنبية في القطاع، منحت الحكومة إعفاءات ضريبية لشركاء المشاريع المشتركة، وعقد الفعاليات الدولية المنتظمة مثل المعرض الزراعي السعودي.

نتائج إيجابية رغم الأزمة

أكد وزير البيئة والمياه والزراعة المهندس عبد الرحمن بن عبدالمحسن الفضلي، أن استراتيجية الأمن الغذائي في المملكة نجحت بعد تجاوز الاضطراب في سلاسل الإمداد التي أثرت على إمدادات الغذاء عالميا، في الوقت الذي عانت فيه غالبية دول العالم من تأثر سلاسل الإمداد الغذائية فيها، حيث قدمت المملكة نموذجا رائعا في تنفيذ استراتيجية الأمن الغذائي، والتعاون مع القطاع الخاص، والاستهلاك المسؤول من منافذ البيع، مشيراً إلى أن ذلك جاء نتاج عمل مؤسسي بدأته وزارة البيئة والمياه والزراعة منذ أكثر من 4 سنوات، وجنت ثماره خلال الأزمة الحالية.

وأسهمت جهود الوزارة في استغلال الميزات النسبية لكل منطقة من مناطق المملكة من ناحية المناخ ووفرة المياه، ودعم التقنيات الزراعية، في تحقيق القطاع الزراعي معدلات إنتاج ونمو عالية، وبلغ حجم الناتج المحلي الزراعي للمملكة 61.4 مليار ريال، ما يعادل %4 من الناتج المحلي غير النفطي بالأسعار الثابتة، واكب هذا النمو في الإنتاج وتحقيق نسب اكتفاء عالية في كثير من المنتجات الزراعية، رفع جودة المنتجات الزراعية، وخفض استخدام المياه الجوفية للأغراض الزراعية بلغ أكثر من 10 مليارات متر مكعب خلال 2019، كما أن المملكة قد تقدمت في مؤشر الأمن الغذائي العالمي (GFSI) إلى المرتبة 30 من أصل 113 دولة، وذلك بواقع مرتبتين عن ترتيبها السابق.

إجراءات صندوق التنمية الزراعية

بلغ إجمالي القروض المعتمدة منذ بدء نشاط الصندوق، وحتى نهاية العام المالي 2019، أكثر من 460 ألف قرض، قيمتها الإجمالية المعتمدة أكثر من 51 مليار ريال.

واعتمد مجلس إدارة صندوق التنمية الزراعية عددا من القروض التمويلية والتسهيلات والضمانات الائتمانية بقيمة تجاوزت 337 مليون ريال، وذلك في إطار دعم الصندوق عبر برامجه المختلفة للقطاع الزراعي،

وشمل البرنامج دعم رأس المال العامل والتكاليف التشغيلية في المنشآت الصغيرة والمتوسطة، ومبادرة الصندوق للتخفيف من آثار جائحة كورونا وهي تمويل استيراد المنتجات الزراعية المستهدفة في استراتيجية الأمن الغذائي من خلال تمويل قروض تشغيلية مباشرة من الصندوق أو غير مباشرة بالشراكة مع البنوك التجارية لمشاريع في عدة قطاعات زراعية في عدد من مناطق في المملكة، وتضمنت تمويل أول مستشفى بيطري للإبل على مستوى المملكة دعما لقطاع الثروة الحيوانية، إضافة إلى دعم مشاريع بيوت محمية، وإنتاج الدجاج اللاحم، ومشروع مصنع مسحوق البيض المجفف، وكذلك الموافقة على إصدار عدد من الضمانات والتسهيلات المالية، لعدد من شركات الأعلاف والإنتاج الحيواني في المملكة.

في يوليو الماضي وقع صندوق التنمية الزراعية، ومدينة الملك عبدالله الاقتصادية اتفاقية تعاون تهدف إلى تمويل مشاريع القطاع الزراعي وتعزيز الأمن الغذائي، والإسهام في تحقيق الاستراتيجية الزراعية من خلال أفضل وسائل التمويل المُستدام بما يتوافق مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.

وتضمنت الاتفاقية التي وقعت بين كل من مدير عام صندوق التنمية الزراعية منير بن فهد السهلي، وأمين عام هيئة المدن والمناطق الاقتصادية الخاصة مهند بن عبدالمحسن هلال، والرئيس التنفيذي لمدينة الملك عبدالله الاقتصادية أحمد بن إبراهيم لنجاوي، العمل على وضع الآليات والإجراءات اللازمة لتقديم منتجات الصندوق في منطقة الوادي الصناعي بمدينة الملك عبدالله الاقتصادية، ومشاركة نتائج دراسات وتحاليل ومتابعة المشاريع المشتركة بين الأطراف، من أجل الإسهام في تعزيز الأمن الغذائي مع الحفاظ على الموارد الطبيعية.

وتهدف الاتفاقية لتشجيع المستثمرين في المجالات الزراعية والصناعات والخدمات اللوجستية المرتبطة بالأمن الغذائي، وذلك من خلال توفير الخدمات المالية والاستشارية اللازمة لدعم نمو وتطوير الصناعة المحلية وتحسين مستوى الأداء الزراعي والأمن الغذائي.

معالي وزير البيئة والمياه والزراعة المهندس عبد الرحمن بن عبدالمحسن الفضلي

خطوات نحو المستقبل

كشفت إدارة صندوق التنمية الوطني مؤخرا عن استراتيجية صندوق التنمية الزراعية للفترة من 2021 إلى 2025 التي تتميز بالتوافق مع الاستراتيجية الوطنية للزراعة 2030، واستراتيجية الأمن الغذائي في المملكة، وتأتي متوائمة مع رؤية المملكة 2030، وما يتصل بها من برامج.

وتسعى الاستراتيجية الجديدة لقيادة عملية التحول في الصندوق للسنوات المقبلة ، وتعظيم دوره المستقبلي من خلال الاستمرار في دعم القطاعات الزراعية الرئيسة المستهدفة في الاستراتيجية الزراعية وهي: (الدواجن ، والبيوت المحمية والاستزراع المائي)، والتنمية الريفية المستدامة، والتوسع عبر سلاسل الإمداد الزراعية والخِدْمات المساندة للقطاع الزراعي ، ودعم الاستثمار الزراعي في الخارج في المحاصيل المستهدفة في استراتيجية الأمن الغذائي ، مع المحافظة على التوازن المالي وتعزيز الكفاءة التشغيلية ، ورفع كفاءة الإنفاق، وتوطين المحتوى المحلي ، وتحقيق أهداف الصندوق التنموية، كما أن الصندوق سيعمل على رفع حجم الإقراض وتحديث لوائحه الائتمانية للحصول على القروض أثناء الفترة المقبلة من أجل مواكبة النمو المتزايد في هذا القطاع المهم.

تحديث الاستراتيجيات والأنظمة

وتعتبر الاستراتيجية الجديدة امتدادا لنجاح الاستراتيجية السابقة للفترة (2016-2020) التي حققت التوازن المالي والاستدامة المالية، حيث استطاع الصندوق خلال تلك الفترة تحقيق التوازن المالي ورفع كفاءة الإنفاق من خلال تحويل عجز بقيمة 568 مليون ريال عام 2015م إلى فائض بحدود 50 مليون ريال في عام 2019م، وزيادة إجمالي التمويل للأنشطة الزراعية من حوالي 450 مليون ريال في عام 2016م إلى حوالي 1900 مليون ريال خلال العام الماضي 2019م،إضافة إلى إنجاز أهداف هذه الاستراتيجية التمويلية والنوعية والتشغيلية المتميزة.

ويركز مشروع الاستراتيجية الجديد على تحديث الاستراتيجيات والأنظمة لجميع قطاعات الصندوق وإداراته المختلفة، ويشمل في نطاقه تطوير الخطط التنفيذية وقياسها لمؤشرات الأداء ومتابعته وتطويره، ورفع مستوى التحول الرقمي في تقديم خِدْمات الصندوق بما يكفل نمو الصندوق وبناء قدرات العاملين فيه كافةً .

ورغم أن المملكة اتخذت العديد من الخطوات والمبادرات لتعزيز الزراعة المستدامة، إلا أنه يتعين فعل المزيد لضمان تحقيق الاكتفاء الذاتي، وذلك عبر البحث والتطوير والتدخل التكنولوجي القوي، ولاسيما فيما يتعلق بمشاريع استخدام المياه المالحة للري من خلال تحلية المياه أو إجراء البحوث المعدنية، وفقا للتقرير الصادر من (HSBC) و(EY)

على المدى القصير، يمكن للسعودية أن تفكر في الاستثمار في الأبحاث المتعلقة بتطبيق التقنيات المستدامة المتاحة على الصعيد العالمي، من خلال تكييفها وتجربتها بما يتناسب مع الوضع في السعودية.

وتحتاج زراعة الدفيئة أيضًا إلى المزيد من التنسيق لتطوير شبكة توصيل الأغذية “من المزرعة إلى المائدة” وزيادة مشاركة المستخدم النهائي.

كما تحتاج الحكومة إلى زيادة مشاركة القطاع الخاص المستدامة في الزراعة وتقليل الاعتماد على الإعانات. ومن شأنها أن تركز أيضًا على تطوير البنية التحتية الأساسية لتحقيق التكامل السلس لسلسلة القيمة، بدءًا من علف الحيوانات إلى اللحوم المصنعة.

وتتمتع السعودية بتاريخ طويل من تربية المواشي التقليدية في المجتمعات البدوية، ويعتبر دمج هذه المجتمعات في النظام السائد أمرًا حاسمًا لتحقيق التكامل الكامل لسلسلة القيمة. ويمكنها أيضًا إنشاء مشاريع التعاون الزراعي وتعزيزها لتحسين قدرة البيع للمزارعين المحليين.