نافذة

خطاب التسويق

يوجه صاحب الأعمال خطابات مختلفة المحتوى، ومختلفة في نبرة اللغة، للعديد من أصحاب المصلحة، للشركاء، والمنافسين، والعاملين، والجهات الحكومية، والعملاء الحاليين والمستقبليين، وهذا الأخير هو الخطاب الأكثر جماهيرية وبالتالي هو الأكثر خطورة، وهو جزء من التسويق والاتصال المؤسسي، وله تأثير بالغ على العلامة التجارية.

المتأمل في مسيرة محتوى التسويق، خصوصا من عاصر أكثر من مرحلة إعلامية يلمس “شطارة” بعض رجال الأعمال في التكيف والمواءمة، واختيار الفريق الصحيح، ومن ثم توجيه الخطاب التسويقي الصحيح تبعا لكل مرحلة، ولكل وسائلها الجديدة أو تلك المتجددة التي تحاول اللحاق بالركب، وهو يرى أيضا إخفاق البعض في اختيار أدوات المرحلة، ومواردها البشرية، وخطابها.

يستسهل البعض المرحلة الحالية، وهذا لا ينسحب فقط على أصحاب الأعمال، بل حتى على بعض الوكالات التي تنفذ لهم، فهم يعتقدون أن سيطرة التسويق الرقمي يعني ببساطة الاستعانة بمشهور أو مشهورة ما لرفع مستوى المبيعات، وفي هذا إجحاف بحق التسويق الرقمي وأغواره العميقة، وكونه مثيلا للتسويق التقليدي، ومن بعده الإلكتروني اللذين ضما دوما العمل وفقا لفكرة 360 درجة التي تغطي كافة احتياجات الحملة أو التسويق إجمالا، وفي جميع الاتجاهات، وما تزال 360 درجة موجودة حتى في التسويق الرقمي الذي يبدو أصعب كثيرا من سابقيه.

لو تأملت قليلا لوجدت أن فكرة الاستعانة بالمشاهير قديمة قدم التجارة نفسها، وليس بعيدا عن البال قصة “قل للمليحة في الخمار الأسود” فهي استعمال للشهرة، سواء شهرة الشاعر أو شهرة الفكرة، ومن بعدها ومن قبلها فكرة أن ارتداء ذوي المكانة للباس ما ولون ما، أو استخدامهم أية سلعة يعني ببساطة أن العامة ستشرئب أعناقهم إليها، لذا كان التجار يهدون أهل المقامات العالية مجانا بعض بضائعهم.

الفكرة أيضا مرتبطة بالتأثير، فليس كل مشهور مؤثر، وهذا ينطبق على مشاهير الإعلام الاجتماعي بل إن سرعة احتراق بعضهم وتكوين الرأي العام انطباعا سلبيا عنهم، يكون أحيانا أسرع من وصولهم إلى درجة الشهرة التي تغري المعلن أو صاحب الأعمال بالاستعانة بهم، لذا وجد الحصيفون أن المؤثر هو أدوم من المشهور، وذلك المؤثر المتخصص أدوم الجميع.

لكل شيء معايير استخدام، ترسي قواعد إتاحته ومنعه، وأساليب استثماره، وهكذا هي القنوات التسويقية، وهكذا أصبحت وسائل التسويق الرقمي التي تشبه اليوم الاستثمارات عالية المخاطر، فهي إما أرباح عالية وسريعة، أو خسائر كبيرة وسريعة أيضا، لذا تكثر المتغيرات فيها، وتتغير هذه المتغيرات بوتيرة أسرع مما يتخيل المراقب.

استخدام وسائل التواصل الاجتماعي تسويقيا هو الأكثر إغراء، لكنه ما يزال محفوفا بالمخاوف، خاصة مع كل هذا النفاذ والتأثير، والبعض يتساءل: هل خضعت هذه الوسائل لقواعد التنظيم والضبط؟ ثم السؤال المهم على مستوى العالم العربي وكل الدول التي تستهلك هذه الوسائل التي تملكها شركات عملاقة معظمها يتركز في الولايات المتحدة: ماذا لو أقفلت إحدى هذه الشركات، أو رفضت إتاحة تطبيقها أو برامجها في جزء أو أجزاء من العالم؟.

يجب أن لا ينسى صاحب الأعمال أو صانع المحتوى المتكئ فقط على الإعلام الاجتماعي أن بعض هذه المواقع يتعامل معها بعض مالكوها، أو بعض الحكومات التي تستضيف شركاتها المالكة على أنها “أسلحة” تستخدمها بعض الحكومات والجماعات والأفراد للتأثير في الرأي العام، من أجل الوصول إلى أهدافها، ورأينا كثيرا من محاولات “تسويق الأيديولوجيا” من خلال هذه الوسائل، ورأينا دولا تُحرم منها، ودولا تحرمها على شعوبها.

كصاحب سلعة أو خدمة تود تسويقها، أو كصاحب أفكار تود نشرها بين أفراد مجتمعك، ربما تحتاج إلى الخطاب التسويقي لعصر سيطرة منصات التواصل على توجهات الناس واختياراتهم، وحتى رغباتهم وأهوائهم، لكنك يجدر بك الانتباه إلى هذه الوسائل تتصارع، ونظرة صغيرة إلى أرقام 2018 و2019 تُنبؤك مثلا بتراجع أرقام منصتين شهيرتين في مقابل منصة ترتكز على الفيديو فقط، والمتوقع أن تحمل أرقام العام 2020 العديد من المفاجآت، وربما خلال عامين أو ثلاثة يندثر كل هذا فجأة وتظهر أشياء غير متوقعة.

ستكتشف أن صاحب المحتوى الجيد والصادق هو من يفوز في كل مرحلة، والصدق والجودة لا يتنافيان مع الابتكار والاندهاش وبعض الأفكار المجنونة في التسويق.