رجل وزمان

الغــزالي .. الدلاّل الذي أعاد ضبط “العقارب”

دقات قلبه تدق بانتظام مع “رادو” السويسرية وأخواتها

العبداللطيف تربع على عرش الساعات الفاخرة في السعودية

الصدفة حولت الطفل اليتيم إلى أحد كبار رجال الأعمال

سجل للعمل في أرامكو لكن رحلة الكويت منعته من العمل

أعطته أمه كيسا لجمع النقود فشعر أن عمره العقلي يفوق عمره الزمني

طفل صغير تسبب في تركه أول عمل يلتحق به في الرياض

بين الزلفي والرياض رحلة طويلة تجاوزت الخمسين عاماً لعبت الصدفة فيها دوراً كبيراً وحولت الطفل يتيم الأب الذي لا يملك قوت يومه إلى أحد كبار رجال الأعمال السعوديين. ضيفنا بدأ حياته بالمعاناة من أثر اليتم والحاجة، فغادر مسقط رأسه متجها إلى الرياض حيث العمل وتزاحم الأقدام كغيره من الذين يقصدون المدن، بحثا عن لقمة العيش وشق طريقهم في هذه الحياة المليئة بالمصاعب والكفاح، بدأ أولى خطواته العملية لدى إحدى الأسر إلا أن هذا العمل لم يرق له فأنفته منعته من هذا العمل في أول يوم، ثم عمل دليلا لكفيف، ولم يستمر أيضا، ليعود إلى مسقط رأسه في الزلفي، ليبدأ ضيفنا محمد العبداللطيف رحلة كفاح أخرى باتجاه الأحساء ثم الكويت، حيث كانت القوافل تعمل على هذين الاتجاهين من الزلفي إلى الأحساء والكويت.

الولادة والنشأة

ولد محمد العلي العبداللطيف في الزلفي عام 1355هـ، في وقت لم يكن هناك أي اعتبار أو اهتمام لتسجيل تاريخ الميلاد، وتمنى أن يعرف ملامح وجه والده، لكن إرادة الله شاءت أن يتوفى والده وهو ابن سنتين، فتزوجت والدته من عمه الذي تولى تربيته، وكان والده يمتهن قبل وفاته بعض الأعمال التجارية البسيطة التي تؤمن معيشته فقط، أما عمه فكان فقيرا معدما لا يملك من حطام الدنيا شيئا، فاضطر محمد للعمل وهو ابن السادسة، للحصول على ما يسد رمقهم من المعيشة، فكانوا يجمعون الحطب ويحملونه على الجمال، ثم يبيعونه في السوق بأربعة ريالات للحمل الواحد، وبدأ حياته التعليمية بقراءة القرآن الكريم على يد الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الغيث، ثم قرأ الأصول الثلاثة على يد الشيخ حمدان بن أحمد الباتل والشيخ محمد بن عبدالعزيز المنيع.

وعندما بلغ العبداللطيف العاشرة من عمره قرر السفر إلى الرياض للحصول على عمل هناك، ومازال يتذكر ذلك اليوم عندما ناولته والدته، كيسا لجمع النقود التي سيحصل عليها من عمله، وشعر حينها أن عمره العقلي يفوق عمره الزمني، وبسرعة ودع والدته وركب سيارة لوري محملة بالأخشاب، وبصحبته ثلاثة صبيان أحدهما بعمره والآخران يكبرانه، ليبدأ الرحلة الشاقة التي تستغرق ثلاثة أيام عبر طرق وعرة وجو بارد وممطر، لتتعطل السيارة بهم في أول الطريق، وبالتحديد عند حرمة في سدير، ولم يستطع السائق ومعاونه ومستأجر السيارة إصلاحها، فما كان منهم إلا أن طردوا الصبية الأربعة ليناموا في أي مكان، وكان الهدف على ما يبدو هو عدم مشاركتهم في الأكل، فما كان منهم إلا البقاء دون طعام والبحث عن مكان ينامون فيه وسط أجواء باردة ممطرة، وبحثوا عن أقرب مسجد، ووصلوا إليه بعد مشقة وعناء ناسين ما هم فيه من جوع، وكانت فرصة ليناموا في الجزء اليابس من المسجد، وما هي إلا لحظات حتى جاءهم الفرج، حيث وصل إليهم أحد سكان حرمة، فرثى لحالهم وبؤسهم، واصطحبهم لبيته بجانب مزرعته، وتناولوا معه العشاء وعادوا للمسجد وناموا حتى صلاة الفجر، بعدها دعاهم نفس الشخص الذي عرفوا فيما بعد أنه من عائلة التركي في حرمة لتناول طعام الغداء معه، ليعودوا بعدها إلى السيارة التي تم إصلاحها، وواصلوا المسير إلى الرياض، وفي اليوم الثالث وصلوا إليها ليفاجأوا بأنها مدينة صغيرة تغلق بواباتها بعد صلاة المغرب، فلا يستطيع أحد الدخول إليها أو الخروج منها بعد ذلك الوقت، وتضاء شوارعها بالسراج، وهي عبارة عن مصابيح بدائية توقد بالجاز “الكيروسين” أثناء الليل، وفور وصولهم توجهوا لإحدى الدور التي أوجدتها الحكومة ليسكنها المغتربون القادمون من خارج الرياض، ودخلوا غرفة مظلمة يسكن فيها أكثر من ستة أشخاص.

البدايات العملية

في صباح اليوم الأول له بالرياض أتى إليه ابن عمه الذي يسكن فيها، ليأخذه للعمل صبيا لدى إحدى الأسر بأجرة قدرها ثلاثة ريالات بالشهر، حيث يقوم بسحب الماء من البئر، إلا أنه عمل عندهم ليوم واحد فقط، وأحضر بعض الطلبات والماء، غير أنه ترك العمل بعد أن طلبت منه المرأة أن يلاعب الطفل، ليترك البيت، وقام صاحب المنزل بالتواصل مع ابن عمه، وأبلغه أن الصبي ترك العمل وانصرف، فقابله ابن عمه ونهره، وسأله لماذا لم تلاعب الطفل؟ فرد عليه محمد كل شيء أفعله إلا أن ألاعب طفل، فقال له إنك لن تستطيع العمل ما دمت بهذا الفكر، ثم عمل مع كفيف يقوده بشكل يومي إلى أماكن القراءة مقابل ريالين في الشهر، واشترى له الكفيف حذاء، واستمر معه مدة شهرين يقوده إلى مقر القراءة، حيث كان الفقهاء يتجمعون في مكان معين، ثم تنقلهم السيارة إلى حي المربع لقراءة القرآن في قصر الملك عبدالعزيز، ثم يتناولون طعام العشاء، وينصرفون بعدها، وقد حدث أن اختلف مع الرجل الكفيف الذي طرده، وقام الرجل بسحب الحذاء الذي اشتراه له وتركه حافيا، وبلغت حصيلة ما جمعه من عمله بالرياض سبعة ريالات، ليعود إلى مسقط رأسه الزلفي مرة أخرى، والحياة صعبة والبيت له احتياجاته، وهو لا يملك، فما كان منه إلا أن استأجر جملين ينقل عليهما التمر من الأحساء إلى الرياض مقابل 32 ريالاً في الشهر، منها عشرة ريالات أجرته، والباقي للجملين، وكانت الرحلة الواحدة تستغرق شهراً كاملاً، وكانوا يمشون في الليل وينامون في النهار، وكان الرجال يكلفونه كونه صبياً صغيراً بخدمة الجمال، حيث يقدم لها العلف ويضبط أحمالها، وكذلك خدمة الرجال، وعمل على هذا الطريق عاما كاملاً، ومات أحد الجملين واشترى آخر مكانه بمبلغ 130 ريالا، وكان الجمل الجديد يشرد منه، ويبذل جهداً كبيراً ليرجعه، وظل هكذا إلى أن باعه.

وخلال عمله في نقل التمور من الرياض إلى الأحساء والعكس، مكث في الأحساء بعض الوقت، وخلال ذلك ذهب إلى مكتب شركة أرامكو وسجل للعمل، وطلبوا منه الحضور يوم الخميس لإرساله إلى الظهران، وجلس وحده في منازل العمال، وهي عبارة عن عشش بدائية، وفي هذه الأثناء أتى إليه شخص يعرفه، وقال له من غير الممكن أن تجلس وحدك، يجب أن تحضر عندي، وفي بيت هذا الشخص أخذ يحبط من عزيمته لثنيه عن العمل في أرامكو، وأخذ يشجعه على الذهاب إلى الكويت، وهذا ما حدث بالفعل وعاد مع جماعة أخرى إلى الزلفي، وعندما وصل إليها أخبر عمه أنه يرغب أن يذهب للكويت، وفعلا اتجه إليها.

كانت الكويت محطة أخرى في حياة محمد العبداللطيف، الذي كانت الأعمال الشاقة تصعب عليه، إلا أن روح التحدي الموجودة عنده جعلته مستعدا لأي عمل على الجمال، في رحلة تستغرق أياماً طويلة، وكان عمره حينها لا يتجاوز السابعة عشرة، وعمل لدى مقاول في الكويت، وكان عمله جمع مخلفات النار، وهو ما يعرف بالرماد من البيوت لاستخدامه في منع السيل، بوضعه على أسطح المنازل، وبسبب صغر سنه كان يسمح له أصحاب المنازل دخول منازلهم وتنظيف المطبخ، فكان يطرق كل بيت بحثا عن الرماد، بعدها أقام خيمة في الصحراء بالكويت مع أحد رفاقه لجمع الكنكري في مقابل 15 روبية في اليوم، وهو الحجر الصغير الذي يخلط مع الإسمنت لعمل الخرسانة، وكان يبيعه للمقاولين، حتى جمع من هذا العمل أكثر من 1500 ريال ليعود إلى بلدته الزلفي ويتزوج ويجلس في الزلفي فترة قصيرة بعد الزواج.

بدايات تجاريه متواضعة

ذهب مع اثنين من أعمامه إلى الرياض ليقرأ لهما أوراقهما، وهنا لعبت الصدفة دوراً كبيراً في تغيير مجرى حياته كلها، حيث ذهب إلى منطقة البطحاء بالرياض حيث السوق، وصادف أن شاهد حراجا على شنطة متوف فاشتراها بمبلغ 49 ريالا، هي قيمة مشلحه الذي تزوج به، حيث باعه واشترى بقيمته الشنطة التي تحتوي أغراضا متنوعة، باعها بالقطعة، وحصل قيمتها كاملة 99 ريالا، أي أن ربحه بلغ خمسين ريالا، وهذا مبلغ كبير حينها، وكانت هذه أول صفقة في حياته، وبداية دخوله عالم المال والأعمال، وأغراه العمل في السوق، واشترى بساطا بخمسة ريالات وافترشه على الأرض وبدأ في بيع وشراء الخردوات مثل المقصات والإبر والأقلام والكراسات وهكذا بسط بها في البطحاء يبيع ويشتري.

ثم استأجر محلا يعمل فيه دلالاً بطريقة السعي في مقابل %2، وهنا كان للصدفة دور آخر في حياته حيث يقول إن الساعات كانت في ذلك الوقت تأتي من لبنان والكويت، وقمت بالصدفة “بالتحريج” عليها ولم أخطط لذلك، وكانت تلك بداية تخصصي في الساعات، وافتتحت محلاً في شارع الثميري، وانتقلت من التحريج إلى التجارة في الساعات الشهيرة مثل جوفيال وزودياك، وخطوت إلى الأمام خطوات مدروسة غير متسرعة، وحصلت على اول وكالة للساعات هي “رادو” وكان الناس لا يعرفونها ويقولون هل نسمع بها نشرة الأخبار.

عالم الساعات

واتجه محمد العبداللطيف لبيع الساعات، حيث كان يأخذها من التجار ويبيعها مقابل سعي قدره عشرة ريالات عن كل ألف ريال، ووجد جاذبية في هذا النشاط وشغل تفكيره، فركز عليه وتوسع فيه، ليطور عمله ويجلب الساعات من الكويت وبيروت، ويبيعها للحجاج، واتسع عمله وافتتح محلا في الصفاة بالرياض، وأحضر عائلته من الزلفي والدته وزوجته، ثم نقل محله إلى البطحاء، وافتتح محلا آخر في شارع الثميري، واستقطب موظفين ليساعدوه، وكان يبيع الساعات من جميع الماركات، وأدرك بفطرته أن من لم يشتر ساعة اليوم سيشتريها غدا، ومن لا يشتريها لنفسه سيشتريها لابنه وهكذا، فالساعات كانت من السلع النادرة حينها، وهي مطلب ضروري للإنسان في كل مكان وزمان، وسيحتاجها الإنسان لمعرفة الوقت، ومع التطور والرفاهية أصبحت الساعة للزينة والتميز.

وأخذ محمد العبداللطيف يسابق الزمن، ويبحث عن الجودة هنا وهناك، ويشتري من التجار الذين يجلبون الساعات من الخارج، واشتغل بماركات عديدة، وفي موسم الحج كان يذهب لبيع الساعات للحجاج ويحقق أرباحا جيدة، وأصبح ينطلق من نجاح لآخر، وكان يكتفي بالربح القليل ويتطلع للأمام بعزيمة وأمل متجدد، ومع الطفرة التي شهدتها البلاد وتوسع الأعمال وازديادها، استأجر أول محل له في الصفاة بالرياض ثم انتقل للبطحاء ثم إلى شارع الثميري، وبدأ يتطور العمل حتى افتتح العديد من الفروع، وتوسع في نشاط الساعات بمخاطبة الشركات الأجنبية للحصول على الوكالات.

رادو انطلاقة الوكالات

كانت ساعة “رادو” الشهيرة أول من اتصل بوكالة محمد العبداللطيف “الغزالي” وحصل على توكيلها، ومع مرور الزمن حصل “الغزالي” على عدد من وكالات الساعات مثل ساعات إيبل وساعات فاشرون كونستانتين وغيرها من الماركات العالمية للساعات، إضافة إلى منتجات وإكسسوارات أخرى.

وعن أول رحلة له خارج السعودية، يقول إنها كانت إلى لبنان في العام 1960 لأنها كانت في ذلك الوقت مركزاً تجارياً مهماً وكانت للشركات الكبرى فروع في بيروت، ثم سافر إلى سويسرا باعتباره وكيلا لبعض الشركات السويسرية في السعودية.

الغزالي اسم تجاري

قد يتساءل الكثيرون عن علاقة اسم “الغزالي” بصاحب الوكالات التجارية المتعددة للساعات وبعض الماركات والإكسسوارات محمد العبداللطيف، في مقابلة معه أوضح أن اختيار هذا الاسم جاء بمبادرة منه، فعندما احتاج إلى اسم برقي لشركته اختار الغزال وهو لقب أُطلق على عمه، الذي كان يشبه في مشيته الغزال، وكأنه يتبختر بها، ثم حول اسم الشركة إلى الغزالي، حتى أصبح علامة فارقة ومعروفة في تجارة الساعات بالمملكة من خلال الفروع المنتشرة في مناطق ومدن المملكة، بعد أن كان يقتصر على متجر واحد في الرياض وتوالى افتتاح الفروع التي تحمل علامة مميزة في تجارة الساعات، وفي مواقع وأسواق مميزة في كبريات مدن المملكة، وقد فاق عدد فروع شركة الغزالي الثلاثين فرعا.

وخلال تاريخها الممتد في العمل التجاري الناجح استطاعت شركة “الغزالي” للتجارة أن تعمق مفاهيم راسـخة في مجـال تقديم ماركات الساعات المتميزة لزبائنها من المواطنين السعوديين والأجانب في السعودية، وحول أعمال الشركة يقول العبداللطيف إن شركته تهتم بتوفير أرقي الساعات وأكثرها جودة، إلي جانب خدمات ما بعد البيع، ويضيف أن الماركات التي تسوقها شركته، عريقة ومتينة وعلى الغزالي أن يكيف نفسه بشكل جيد وناجح سواء في اختيار الأنسب أو في الأسعار أو خدمة ما بعد البيع.

وفاته

بعد رحلة عمل  في معترك الحياة التي ذاق مرها قبل حلوها، حيث بدأ حياته العملية وهو في سن العاشرة، وعمل في الكثير من الحرف والمهن، حتى دخل عالم التجارة من مبسط صغير على أرصفة شارع البطحاء بالرياض إلى امتلاك وكالات لأشهر الماركات العالمية من الساعات، وبعد سبعة عقود من العمل الجاد والمثابرة، ترجل الفارس تاركا وراءه سيرة عطرة من الكفاح والسمعة الطيبة والمعاملة الكريمة مع الصغير قبل الكبير، ففي العاشر من شهر ربيع الثاني عام 1435هـ توفي محمد العلي العبداللطيف ليكمل أبناءه مسيرة عمله، رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.