تحليل

الذهب والدولار .. لعبة القط والفأر في 2020

عام 2020 كان عاما جيدا على سعر الذهب، تحرك فيها بين مستويات 1451 دولارا و2075 دولارا للأونصة، والشهر الوحيد الذي تم تداول الذهب فيه دون 1500 دولار كان في شهر مارس بعدما سجل 1451 دولارا.
المفارقة أن الذهب كان له نفس السلوك في الأزمة العالمية وأزمة كورونا. في أزمة 2008 تراجعت الأسعار دون 1000 دولار، ولم يلعب المعدن الأصفر دوره المعهود والمشهور به كملاذ آمن، وسجل 681 دولارا، بسبب ارتفاع الدولار، ولكن بعد إطلاق برنامج التيسير الكمي دخل الذهب في رالي على مدى 3 سنوات وسجل رقما قياسيا عند 1921 دولارا في سبتمبر 2011م.
أما في أزمة كورونا الحالية، فقد انهارت الأسهم في شهر مارس، وتراجع الذهب معها بأكثر من %10 قبل أن يدخل في موجة صاعدة، سجل فيها رقما تاريخيا عند مستوى 2075 دولارا في شهر أغسطس.
بعد تسجيل هذه المستويات تعرض لتراجعات بأكثر من 300 دولار لمدة 4 أشهر، خصوصا في جلسة إعلان لقاح فايزر حدثت هزة قوية أفقدته %5 من سعره، لكن رغم كل ما حصل من تزايد الإصابات والموجة الثانية من كورونا، وإعادة الإغلاق مع السلالة الجديدة لم يهبط الذهب دون مستويات 1764 دولارا.
الدولار لعب دورا رئيسيا في صعود أسعار الذهب خصوصا بعد الضغط الكبير من إجراءات الاحتياطي الفيدرالي وحزم التحفيز، مؤشر الدولار تراجع بقوة هذا العام بحوالي %7، وهناك تقارير من كبرى البنوك العالمية بأنه سيتعرض لضربة قوية العام 2021م أيضا، وبعض هذه البنوك ذهبت توقعاتها إلى نسبة %20.
أعود إلى علاقة الذهب مع الدولار والذي يشكل الدولار اللاعب الأول في تحريك سعر الذهب، فمع صعود الذهب %25 العام 2020م تزامن ذلك مع تراجع الدولار %7، وبما أن اليورو يشكل حوالي %58 من وزن سلة العملات في مؤشر الدولار، وشاهدنا التألق القوي لليورو العام 2020م خصوصا في الشهرين الأخيرين عندما قفز سريعا إلى فوق 1.22 دولار وحقق ارتفاعات قوية وصلت إلى %9.
لكن مهلا معظم هذه الارتفاعات في زوج يورو دولار أتت بسبب الضغط على الدولار، وليس بسبب اقتصاد منطقة اليورو التي تتأثر بقوة من جراء جائحة كورونا. وبنظرة سريعة على مؤشر الدولار الذي يقيس قيمته وتحركه أمام سلة من 6 عملات هي اليورو والين الياباني والجنيه الاسترليني والدولار الكندي والكورونا السويدية والفرنك السويسري.
كل عملة من هذه العملات لها وزن مختلف، ولكن عملة اليورو لها الوزن الأكبر وبشكل واسع عند حوالي %58 من السلة ويأتي الين الياباني في المرتبة الثانية عند %13.6 والجنيه الاسترليني في المرتبة الثالثة عند حوالي %12 والدولار الكندي عند %9 أما الكورونا السويدية فعند %4.2 ويأتي الفرنك السويسري في المرتبة الأخيرة عند %3.6.
وفي نظرة تاريخية فقد بدأ العمل بالمؤشر عام 1973 بقيمة أولية عند مستوى 100 دولار وأتى تأسيس المؤشر بعد وقت قصير من انتهاء العمل بنظام بريتون وودز وربط الدولار مع الذهب عندما كان سعر أونصة الذهب عند 35 دولارا في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون.
طبعا شهد المؤشر تقلبات حادة فوق ودون مستويات 100 دولار وسجل أعلى مستوياته عند حوالي 165 دولارا في فبراير 1985م، وأقل مستوى كان قبل انفجار الأزمة العالمية بقليل عند حوالي 70.6 دولار.
هذا العام تراجع الدولار بقوة وكسر مستويات 90 بعدما سجل مستويات فوق 100 دولار عند 103 دولارات وطبعا مستويات 88.5 دولار تعتبر مهمة جدا ونقطة دعم قوية وكسرها يزيد من التراجعات بقوة.
نعود إلى أسعار الذهب التي جلبت مرة جديدة قسما كبيرا من متابعي المعدن الأصفر، خصوصا بعد انهيار العائد على السندات بشكل عام والارتفاع القياسي في حجم السندات التي تقدم عوائد سالبة إلى مستويات تصل إلى 17 تريليون دولار، في وقت تواصل فيه البنوك المركزية ضخ المزيد من السيولة في الأسواق، وتزامن ذلك مع عودة التنسيق بينها بسبب مستجدات جائحة كورونا.
وبما أن الذهب لا يقدم أي عائد ثابت، بالتالي يربح المستثمر من الفارق السعري عندما يرتفع سعر الشراء، وكان هناك طلب كبير من بعض الدول على الذهب في السنتين الأخيرتين، على رأسها روسيا التي كانت تريد الهروب من الدولار ومن السندات الأمريكية والاستدارة على العقوبات، وبالتالي كان الذهب أحد الوسائل والأدوات الاستثمارية التي لجأت إليها، وكانت فرصة لها أيضا لتقوم بتنويع احتياطياتها.
وفي النصف الثاني من العام 2020م عاد مؤشر سعر الذهب إلى سعر الفضة والذي يقصد به عدد أونصات الفضة التي تعادل أونصة ذهب أو بمعنى آخر كم تشتري أونصة واحدة من الذهب من أونصات الفضة والذي شهد تقلبات عالية أثناء الأزمة العالمية عندما وصلت أسعار الفضة إلى حوالي 50 دولارا والذهب إلى 1921 دولارا.
لكن ما حدث بعدها أن أسعار الفضة انهارت بقوة وفقدت أكثر من ثلثي قيمتها ووصلت إلى حوالي 12 دولارا بينما أسعار الذهب فقدت أقل من %50 من مستوياتها التاريخية، وحتى في الموجة الأخيرة كان رالي الصعود عند الذهب أسرع، وتأخرت أسعار الفضة بالتفاعل، وبالتالي يعتقد الكثير من الخبراء أن الفضة لم تأخذ حقها من الارتفاعات القوية للذهب.