نون

نور الدباغ المستشار بوزارة الثقافة.. الفنون لغة الشعوب المشتركة

فيلم “ما وراء الرمال” أوصلني إلى العالمية وتم عرضه في العديد من المهرجانات

المرحلة الحالية تتطلب تطوير الفرص التدريبية وتخريج الكوادر السعودية القادرة على العمل باحترافية

تركت دراسة الاقتصاد في هارفارد الأمريكية وأقنعت والدي بدراسة الفنون

الدكتورة ثريا العريض لها الفضل الأول في تشجيعي ومواجهة التحديات

أسست منصة “بنفسجيل” في الإمارات 2013م وانتقلت للمملكة 2016 للفنانين والمصممين في الخليج

شابة سعودية، من مواليد الظهران، لمع اسمها في سماء الفن محلقا بين النجوم رغم من حداثة سنها، وظفت كل ما لديها من إبداع وابتكار في عالم الإخراج السينمائي الوثائقي والنقد الفني والريادة في القطاع الثقافي، تولت العديد من المناصب القيادية المحلية والعربية والعالمية، آخرها مستشار في وزارة الثقافة، ونالت العديد من الجوائز العالمية فيلمها “ما وراء الرمال” عُرض في العديد من دور السينما الخليجية والعربية والعالمية. تحلم بتأسيس أكاديميات لتدريس الفن السينمائي والمسرح والإخراج، وتدعو الشباب إلى الاستفادة من الفرصة لدراسة الفنون التي هي أفضل وسيلة للتعارف والتقارب بين الشعوب.

إنها الشابة السعودية نور الدباغ، ذهبت لتدرس الاقتصاد في جامعة هارفارد الأمريكية بناء على رغبة والدها، لكنها حولت دفتها لتدرس الفنون بعد أن استطاعت أن تقنع والدها بتغيير مسارها، وبعدها ذهبت إلى لندن حيث حصلت على الماجستير في إدارة الأعمال في الفنون. “الاقتصاد” التقت نور الدباغ فكان هذا الحوار.

هل استفدت من اسم والدتك خاصة أنها من الأسماء السعودية التي وصلت للعالمية؟

مستشارة في البنك الدولي في مجال السياسات المالية وسياسات الضرائب، حصلت على درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة هاوارد في العاصمة الأمريكية واشنطن. هدفي أن يكون لي دور فعال في تحقيق الاستدامه المالية للعالم، والقضاء على الفقر.

ما المجالات التي عملت بها والخبرات التي اكتسبتيها؟

الوالدة الدكتورة ثريا العريض شاعرة معروفة عايشت المجتمع الثقافي والأدبي محلياً وعالمياً لذا فهي تقدر المجالات الإبداعية، وكانت أول من شجعني أن استكشف وأتابع شغفي للفنون، بدءا بالإخراج ثم التقييم الفني، وتأسيس منصة لدعم الفنانين والمصممين وغير ذلك. وما أقدره للوالدة أنها فيما يخص العمل تحديداً تركت لي مساحة لأكتشف ميولي وأختار اهتماماتي بحرية، وفي كل محطة من مسيرتي وقفت بجانبي تشجعني، خاصة عند مواجهة التحديات والصعوبات.

كيف وصلت للعالمية خاصة أن فيلمك “ما وراء الرمال” عرض في الكثير من المهرجانات العالمية في الخليج وأوروبا وأمريكا؟

كان من ضمن تخصصي في مرحلة البكالوريوس بجامعة هارفارد “الدراسات المرئية”، وقد درست إخراج الأفلام الوثائقية، وكان أول مشروع بعد تخرجي وعودتي إلى المملكة من الولايات المتحدة هو تصوير وإنتاج فيلم “ما وراء الرمال” لرغبتي في تمكين الآخرين من إعادة اكتشاف وطني من خلال عدسة الكاميرا، فقمت على أرض الواقع بتوثيق تجربة مجموعة من الأجانب من جنسيات مختلفة زاروا المملكة لأول مرة لمدة 10 أيام. وقد لاقى الفيلم اهتمام بعض الجماهير العالمية الذين كان لديهم فضول عن معرفة المملكة عن قرب حيث أتاح لهم الفيلم فرصة التجول في عدة مناطق ومدن سعودية والاطلاع على تجارب محلية مثل الرقص بالسيوف والصيد بالبر وزيارة سوق الذهب في فترة ما قبل انفتاح المملكة على السياحة.

وساعدني في نشر الفيلم في تلك الفترة وجود منصة جديدة للمخرجين الخليجيين الصاعدين وهو “مهرجان الخليج السينمائي” في دبي، والذي طورته الإمارات ضمن جهودها في دعم قطاع الأفلام في الخليج، وكانت تجربة شيقة ومثيرة. وبعد عرض الفيلم لأول مرة في دبي ظهر اسم الفيلم في الإعلام ووصلتني دعوات من مهرجانات أخرى.

كنت من مؤسسي القطاع الثقافي ضمن رؤية 2030 خلال عملك في الهيئة العامة للثقافة وأشرفت على تطوير استراتيجيتين وطنيتين “النهوض بريادة الأعمال الثقافية” في 2019 و”تنمية القدرات الثقافية في 2020، كيف تم التطوير وما أبرز ما قدمته؟ وهل هناك مشاريع مقبلة؟

من الأمور التي أفتخر بها في سيرتي الذاتية عملي في الجهات الحكومية الجديدة وفق رؤية 2030، خاصة أنني كنت مديرة مشروع لهذين الاستراتيجيتين لما أحدثته من أثر واسع في تنمية قطاع الثقافة وخلق فرص عمل لشباب بلدي والمساهمة في خدمة الوطن في تشكيل قطاع جديد في مرحلة تأسيسية شيقة. ولست مفوضة بالتحدث عن عمل الجهات الحكومية في لقاء شخصي، لكن مما أعتز به، البرامج التدريبية والتعليمية المتنوعة التي أنتجتها هاتان الاستراتيجيتان والممكنة لرواد الأعمال والممارسين الثقافيين، والتي فتحت فرصاً جديدة للممارسين والمستثمرين والمجتمع بشكل عام في مجال قريب إلى قلبي.

هل هناك رابط بين عالم السينما والاقتصاد؟ وما فرص العمل المتاحة في ظل إمكانات التدريب المتواجدة في المملكة؟

منذ العام الماضي تم تسجيل أكثر من 400 مهنة بصفة رسمية في المملكة ضمن “التصنيف السعودي الموحد للمهن” في قطاع الثقافة مثل ناقد فني، ناقد فنون تشكيلية، منظم مزاد، كاتب سيناريو، وتشمل مهنا لم يكن معترفا بها سابقاً، وهذا سيمكّن الممارسين من مزاولة عملهم كموظفين أو أصحاب عمل حر، كما يشجع رواد الأعمال على تأسيس شركات إبداعية جديدة، ما سيكون له أثر اقتصادي ملموس في قطاعات ثقافية متعددة، يحمل بعضها فرصاً اقتصادية واعدة مثل قطاعات الأزياء والأفلام وفنون الطهي. والمطلوب فعلاً في هذه المرحلة الأولية تطوير الفرص التدريبية وتخريج الكوادر السعودية القادرة على العمل باحتراف لتطوير محتوى السوق الثقافي.

كيف ترين أهمية مشاركة الشباب السعودي في المنظمات والهيئات الدولية؟ خاصة أنك حصلت على جائزة جامعة هارفارد لتحسين العلاقات ما بين الثقافات أثناء رئاستك منظمة الطلاب العرب.

لا شك أن النشاط الطلابي يمهد للمهارات القيادية بعد التخرج. وتجربتي في جامعة هارفارد كانت ثرية جدا حيث تنوع خلفيات الطلبة، مما أتاح لنا فرص تبادل المعلومات والتعارف الثقافي وتنظيم الحوارات في فترة ما بعد أحداث 11 سبتمبر. وكنت أشجع ذلك في عملي كرئيس منظمة الطلاب العرب، وكذلك ضمن عملي في منظمة “وود بريدج” لطلاب العالم أجمع. وتعلمنا تنظيم الفعاليات والمؤتمرات وآداب الحوار وكيفية الحصول على رعاية الشركات المحلية مما أفادني في العمل بعد التخرج.

كيف يمكن للشراكات في المجال الثقافي أن تؤثر على المسارات الاقتصادية وتخلق فرصا متنوعة في الاستثمار والتدريب؟

القطاعات الثقافية تحمل فرصا واعدة تشمل الأدب والنشر والترجمة والموسيقى وفنون الطهي والأزياء والتراث والتصميم والعمارة وغيرها، وبالنسبة للتدريب فهناك نقص في فرص تنمية القدرات، وبحكم التوجه الجديد لدعم الثقافة ستشهد المملكة زيادة في برامج التعلم في مختلف المناطق على جميع المستويات التعليمية والتدريبية من التعليم العام والتعليم العالي والتدريب التقني والمهني وحتى التعلم الافتراضي والتعلم مدى الحياة، وللشراكات بين القطاع الخاص والعام دور مهم في ذلك.

وبالنسبة للقطاع الخاص، ففرص الاستثمار والتدريب في المجال الثقافي كثيرة، فعلى سبيل المثال في الاستثمار والتدريب قطاع الطهي، وكذلك الاستثمار في البحث والتطوير للمكونات المحلية مما يزيد القدرة التنافسية ويقلل التكلفة التشغيلية في سوق عليه طلب كبير، ونرى مثلا اهتماما متزايدا بمحلات القهوة المتخصصة، ونتج عن هذا الاتجاه الشائع نمو في كل سلسلة القيمة، الموردين، تصميم المحلات، الارتقاء بالمنتجات والخدمات، وقد ساهم ذلك في زيادة فرص التدريب وتنمية قدرات الشباب السعودي في هذا المجال.

وهناك قطاعات أخري يمكن الاستثمار فيها، حيث يمكن توسيع نطاق الكتّاب في قطاع النشر مما يولّد فرصاً لتحويل أعمالهم إلى أفلام أو مسرحيات في مرحلة لاحقة، مما يزيد قيمة المحتوى الأصلي. ويخلق هذا فرصا مختلفة تساهم في تمكين صناعة هذه المنتجات الإبداعية، مثل مساحات عمل مشتركة مخصصة للمبدعين، وخدمات قانونية متعلقة بالملكية الفكرية، وغيرها.

بصفتك عضوا في المنظمة العالمية للمتاحف. كيف تترك المتاحف أثرا على حركة السياحة الداخلية، لتصبح رافدا من روافد التنمية؟

لا شك أن المتاحف جاذبة للسّياح، ومع انفتاح المملكة على السياحة الآن، يرغب الكثيرون في العالم في التعرف على ثقافة الجزيرة العربية وتاريخ المملكة العريق. والمتاحف ليست مربحة بحد ذاتها حيث تدعمها الحكومات كجهات غير ربحية وتباع التذاكر بأسعار معقولة أو يشجع الزائر على تقديم تبرع بسيط حسب نوع المتحف أو المعارض الدائمة أو المؤقتة التي تقام به. والوضع في المملكة لن يختلف عن ذلك، ولكن العائد الاقتصادي للبلد يكون عن طريق تكاليف السكن والمطاعم التي يدفعها السياح أثناء جولاتهم وإقامتهم في المدن التي يقومون بزيارة المتاحف والآثار والمواقع التراثية فيها.

حدثينا عن المنصة التي قمت بإطلاقها للفنانين والمصممين في الخليج لدعم الحركات الفنية والإبداعية؟

هي منصة اسمها “بنفسجيل” أو “بنفس جيل”، وقد أسستها عام 2013م وبدأتها في الإمارات العربية المتحدة ثم انتقلت المنصة للمملكة عام 2016م عندما أتيحت الفرصة خاصة مع التوجه الجديد وإطلاق رؤية 2030 وعملت عن طريقها على عدة برامج ومشاريع إبداعية ومعارض فنية وتصميم وركزت على تطوير فرص التعاون بين المبدعين في مجالات مختلفة، خاصة مجالي الفن البصري والتصميم.

أطلقت مبادرة “إعادة اختراع التراث”، والاهتمام بالقطاع الحرفي. ما تأثير العمل الحرفي على زيادة فرص العمل وتحفيز وتأهيل كوادر وطنية؟

مبادرة “إعادة اختراع التراث” أطلقتها في العام 2016م وكانت ضمن منصة “بنفسجيل” وابتدأت برحلة بحثية استكشافية إلى مهرجان الظفرة، حيث جمعت مجموعة من خبراء عالميين في التصميم والحرف التقليدية مع مجموعة مبدعين خليجيين من مصممين وفنانين مهتمين بالحرف ورواد أعمال اجتماعيين، وخيّمنا في مهرجان الظفرة بالإمارات العربية المتحدة لمدة أسبوع، قمنا فيه بزيارة الحرفيات للتعرف على أعمالهن وفهم تحديات وفرص قطاع الحرف عن طريق النقاش مع الخبراء العالميين حول ما يمكن العمل عليه بالخليج للحفاظ على بعض الحرف التقليدية مثل السدو والخوص وغيرهما، والارتقاء بجودة العمل والمنتجات لتكون معاصرة وجذابة للمستهلكين في الأسواق المحلية والعالمية مع ضمان استدامة الدخل للحرفيات وتمكينهن. ونتج عن هذه الرحلة ضمن المبادرة عدة مشاريع متنوعة منها معرض “مكان في جديد الزمان” لمصممين خليجيين في الشارقة استلهموا التراث بطريقة معاصرة، وشاركت “بنفسجيل” في أسبوع التصميم بدبي، وتعاون مع أسبوع التصميم السعودي، وكلها هدفت لزيادة تقدير المجتمع لقيمة التراث المحلي والعمل اليدوي واستهدفت بالأخص فئة المبدعين والشباب في المنطقة.

هل لديك شغف لزيادة الأكاديميات ومجالات التعليم في الفن والمسرح والإخراج في السعودية؟

بالتأكيد لدي شغف كبير في إنشاء أكاديميات للفن والمسرح والإخراج، وهذا من صميم عملي حالياً في وزارة الثقافة في الإدارة العامة لتنمية القدرات. ويسعدني أن أساهم في بناء النهضة التي تشهدها المملكة في هذه الفترة التأسيسية والمجددة.