نافذة

التَبَصُّر في الطلب

على ماذا سيرتفع الطلب؟ وعلى ماذا سينخفض؟ لعلهما أهم سؤالان في ذهن أي رجل أعمال، وفي خطة أي حكومة، وربما حتى في هواجس الطامحين إلى ريادة الأعمال على جميع مستوياتهم، وأن معرفة هاتين الاجابتين هي حلم الجميع، وهو حلم كان تحقيقه في الماضي أسهل، لأن المؤشرات يمكن التنبؤ بها، ويكفي ان تعرف النمو السكاني أو العمراني في مكان ما لتضع خارطة طريق إنتاجك إذا كانت صناعيًا، وكميات شراءك أو استيرادك إذا كنت تاجرًا.

لا توجد إجابة ثابتة ويقينية في هذا الشأن، سيستمر الناس في الطلب على الطعام، والكساء، والمأوى أي أن أساسيات الحياة لا يتوقف الطلب عليها، ولكن الفكرة أن أساسيات الحياة مُتغيرة، فالتعليم اليوم مثلاً ربما يكون أكثر أهمية من الطعام، والوصول إلى الاتصال بالإنترنت كذلك يعتبر في ذهن الأجيال الجديدة وجزء غير يسير من بقية الأجيال أيضًا من أساسيات الحياة، وعليه فان قائمة الطلب ليست ثابتة لكل شعب أو جيل.

المُقاربة الأولى، هي التأمل في الحاجة لمواجهة التغيير السريع في متطلبات الحياة ومعرفة أين يتجه الناس، فمثلاً لا يمكن لعاقل اليوم أن يستثمر في قناة فضائية مع اندثار هذه السوق تدريجيًا أمام زخم التطبيقات ووسائل التواصل الاجتماعي.

الأطعمة تتغير قوائمها، ونَلحظ ذلك جليًا في عادات الجيل الجديد الغذائية، وحتى الملبس يجب الحذّر كثيرًا عند الاستثمار في صناعته أو تجارته، فلم يعد هناك ثابت فيه عند كثير من الشعوب وبالتالي عند كثير من الأسواق، وحتى المسكن ربما لن يعود في المستقبل استثمار في الموقع ومواصفات البناء بقدر ما هو بحث عن الذكاء والتقنية في مكوناته، وهكذا إلخ…

المُقاربة الثانية، هي أن المُعادلات الاستهلاكية أصبحت محُيرة، فبينما كان هناك ثبات نسبي في مُتطلبات الإنسان، بتنا اليوم نرى أن هناك مسافة تتسع بين ما هو ممُكن وما هو محُتمل أن يكون ضروريًا للناس على افتراض سرعة التغير في السلوكيات وصعوبة الاستقراء واستخدام المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية لتحديد المزاج العام للاستهلاك، أي معرفة اتجاهات الطلب، وبالتالي معرفة ما يجب عمله لتوفير العرض.

التَبَصُّر والتنبؤ من أجل المستقبل مهم جدًا لصاحب الأعمال، ليس فقط على مستوى إمكانية تحديد كيفية تحرك السوق أو السلعة أو الخدمة من هنا إلى هناك، وإنما على مستوى قراءة التغير في أولويات الناس وتحديد واختيار المكان الذي يريدون الذهاب إليه لمواكبتهم، أي الذهاب معهم إلى هناك للمحافظة على ازدهار العمل ونمو الطلب.

لقد كان أنجح وأثرى رجال الأعمال، هم الأشخاص القادرون على التقاط مثل هذه التغيرات في مفاهيم العيش وسلوكيات الاستهلاك، وهم من كانوا أكثر حدسًا وإصغاءً لما حولهم، بل أحيانًا يكونون هم الذين يتجاوزون حدود المنطق ويبنون رؤى تختلف عن الحاضر.

هذا على المستويات العامة أو الإجمالية للتجارة والصناعة، ولكن على مستويات أُخرى مثل التقنية مثلاً والتي لا تعد طعامًا ولا شرابًا ولا كساءً ولا مأوى فلقد كان قُراء مستقبلها هم من يتمتعون بجرأة تجاوز أسوار العقلانية، وبخيال جامح، وربما غرور أن الناس ستتكيف مع مُنتجاتهم، وليس هم كمقدمين لهذه المنتجات من يجب عليه أو يتكيف، هم في الحقيقة لم يكونوا بحاجة إلى أسئلة المستقبل، لقد صنعوا إجاباتهم الخاصة، ثم سمحوا للناس أن يضعون الأسئلة عليها.

لم تعد السوق عبارة عن سلع تنتج وتباع وتشترى أو خدمات تقدم، أصبح هناك أشياء يمكن تشبيهها بالهواء أو اعتبرها فعليا لا شيء لكن الواقع المعاش يقول أنها ربما تدر مالاً، وفي أحيان أُخرى مالاً ونفوذًا.