رجل وزمان

الشهيل .. ثلاثية الوظيفة والصحافة والرياضة

لعب دوراً بارزاً وكان له حضوراً ملموساً في مشروع الطريق بين الشارقة ورأس الخيمة

أشرف على تطوير الخط الحديدي بين الدمام والرياض

السكة الحديد كانت النقطة الفاصلة في حياته

قبل الهلال نائباُ للرئيس ورئيساً فخرياً للنهضة

ساعده في دخول عالم الصحافة قراءته للعقاد والمنغلوطي

رجل دولة متعدد المواهب، أجاد وظيفته، ترك بصمته الواضحة في عالم الصحافة، ساهم في الارتقاء بالقطاع الرياضي والعديد من المجالات بمختلف القطاعات التي تعمل على بناء وتنمية الوطن، بدأ حياته الوظيفية في مجال النقل بعد أن نال درجة الماجستير في الاقتصاد من أحد الجامعات الأمريكية، وتسلم وظيفة قيادية في وزارة المواصلات، وتدرج في العديد من المناصب حتى استقر به الحال رئيسًا للمؤسسة العامة للخطوط الحديدية التي استمر بها حتى تقاعده مرورًا بالعديد من المناصب الفخرية ومجالس الإدارة المختلفة التي اكتسبها بدماثة أخلاقه وكرمه وطيبته ..  إنه «فيصل بن محمد بن عبدالعزيز الشهيل» العلامة المُميزة في صفحات المنطقة الشرقية الاجتماعية والرسمية.

الجهود الأبوية

ولد «فيصل الشهيل»، في المزاحمية وعاش طفولته في مدينة الطائف عندما كان والده أميرًا لها وبدأ دراسته الابتدائية فيها، ولظروف والده الوظيفية بانتقاله أميرًا لمنطقة حائل ومنها إلى منطقة محايده بين الحدود الشمالية السعودية والعراق، وكانت تلك المنطقة سببًا لدراسة «الشهيل» في مدارس عراقية كانت هي الأعلى مستوى في العراق ومناهجها باللغة الإنجليزية، ورغم ما اعترضه وشقيقه «عبد الله» من صعوبات في التأقلم مع الوضع حيث صعوبة المواصلات والاتصالات، ولكن مع مرور الوقت والجهود الأبوية ودعم الوزير السفير الشيخ «عبدالله الخيال» استطاعا التغلب على التحديات هناك.

طموحه للدراسات العليا

ومع حلول خمسينيات القرن الماضي، بدأت الحكومة السعودية برنامج الابتعاث الخارجي للطلاب، وكتب والده للملك عبد العزيز بطلب ابتعاث ابنيه إلى الجامعة الأمريكية في بيروت وأتت الموافقة على ذلك فكان الانتقال إلى بيروت عام1952م، وبدأ الشقيقان الدراسة في الجامعة الأمريكية، ليحصلا على درجة البكالوريوس في المال والاقتصاد.

وكانت فترة الدراسة في كل من العراق ولبنان مرحلة التعرف على العالم والاطلاع على أوجه التطور حينها في العديد من مجالات الحياة.

ولم يكتف «الشهيل» بالدراسة الجامعية، إذ دفعه شغفه بالحصول على الدراسات العليا فتقدم بطلب للملك «فيصل» للحصول على بعثه فأحاله إلى الملك «فهد» الذي كان حينها وزيرًا للمعارف وحصل بالفعل على موافقة البعثة والتحق بجامعة جنوب كاليفورنيا وتخصص في إدارة الأعمال وقد سبقه للبعثة كل من الدكتور «هشام ناظر» و«عبدالعزيز القريشي» والدكتور «صالح أمبا» وكان «القريشي» الذي أصبح فيما بعد محافظًا لمؤسسة النقد العربي السعودي أكبرهم سنًا ودائمًا ما يُسدي لهم النصح ويوجههم لما فيه الصالح، وبعد سنه ونصف حصل على الماجستير.

العمل بالوزارة

وقبل عودته للمملكة حصل «الشهيل» على قبول الدكتوراه في نفس الجامعة وكان تمنى أن يكمل ويحصل على درجة الدكتوراه، ولكن مصادفة قدرية حدّثت بزيارته لمعالي وزير المواصلات الراحل «عبدالله السعد» وغيرت مساره بالكامل؛ إذ عرض عليه معالي الوزير العمل بالوزارة لمدة ستة أشهر ومن ثم يسمح له بالسفر لتحضير الدكتوراه وسيحصل بذلك على راتب كامل إضافة إلى مكافأة الجامعة وكانت حوالي 250 دولارًا شهريًا تُعينه على تكاليف المعيشة، فأعجبته الفكرة ووافق عليها بعد تردد.

حلم الدكتوراه

استلم «الشهيل» وظيفته الجديدة وهي إدارة تأسيس الموانئ حيث كانت الموانئ أغلبها يتبع خفر السواحل، فيما يتبع ميناء الدمام السكة الحديد ويدير ميناء جده عائلة «رضا زينل» واستعان بخبراء من مصر وانجلترا وقام بجولات عديدة وأنهى إجراءات تعيينه على المرتبة الثانية العادية والتي تعادل حاليًا المرتبة الثالثة عشرة وكيل وزارة مساعد، وهو لا يزال يحلم بالدكتوراه، إلا إنه مع تغير الوزير الذي وعده بالاتفاق السابق وحلول وزير جديد للمواصلات تراجعت آماله بالدكتوراه مستمرًا مديرًا للموانئ هو لم يتجاوز الثالثة والعشرين من عمره وكان ذلك عام1961م، ورغم تراجع فرصه بالدكتوراه إلا أن قلبه ظل معلقًا بالحصول عليها، إذ أخبر الوزير الجديد بالموضوع والذي طلب منه الانتظار وفوجئ بعد شهر بتغيير الوزير ليتولى آخر وهو «الأديب محمد عمر توفيق»، فخاطرته فكرة الاستقالة إلا أن الملك «فيصل» رفضها وكتب (يبقى في محله)، وكانت وظيفته قد تغيرت لوكيل الوزارة المساعد للطرق والموانئ.

تشعب المسئوليات

ومع تعاقب الوزراء ومشاغل العمل الجسيمة تراجع طموح الدكتوراه كثيرًا، ولكنه ظل هاجسًا يراوده من حين لآخر، فبعد مرور سبع سنوات من عودته من بعثة الماجستير قُدّر له أن يُسافر إلى أمريكا سائحًا فراجع الجامعة مستفسرًا حول الدكتوراه وإجراءات إتمامها، إلا أنهم صدموه بقولهم: (موضوعك أصبح قديمًا)، وبذلك انتهت فكرة الدكتوراه وأصبحت من الماضي بخاصةً بعد تشعب المسئوليات وثقلها فاستمر في العمل بوزارة المواصلات وكيلاً مساعدًا لوزارة للطرق والموانئ.

نهج التطوير

وتُعد السكة الحديد النقطة الفاصلة في حياة «الشهيل» الوظيفية، فبعد استقالة الوزير «محمد عمر توفيق» وتعيين وكيله «حسين منصوري» وزيرًا للمواصلات، وقع الاخيار عليه بأن يكون مديرًا للسكة الحديد بمرتبة وكيل وزاره خلفًا لـ«غازي القصيبي»، الذي أوصاه بتأجير الأراضي والمواقع التي تملكها السكة وفتح هذا المجال للحفاظ على أراضي المؤسسة من البيع أو المنح، وكان ذلك عام1975م، ورغم ما كان يتملكه حينها من رغبة بعدم الاستمرار في السكة الحديد، إلا أنه وجد إدارتها منظمة ومرتبة وموظفيها أكثر من موظفي الوزارة، إذ كان يتجاوز عددهم وقتها الألفي موظف، بجانب عدد من المميزات والامتيازات الخاصة التي دفعته إلى الاستمرار وترقيته للمرتبة الممتازة رئيسًا للسكة الحديد، فعمل جاهدًا على تطوير العمل في المؤسسة، وأشرف على تطوير الخط الحديدي وتجديده بين الدمام والرياض، ما نتج عنه بتقليل المدة من سبع ساعات إلى أربع ساعات، وخصْص الخط القديم للبضائع وقام ببناء ثلاث محطّات للركاب في كل من الدمام والهفوف والرياض وأنشأ ورشة حديثة ومساكن للموظفين، وكُلف بالعديد من المهام الخارجية، فقد ترأس وفد المملكة في المؤتمر الأول عن البحار والذي عُقد في فنزويلا عام1972م، وكان المؤتمر لمناقشة المعابر المائية وغيرها من المواضيع الأُخرى.

دورٌ بارزٌ

ولعب «الشهيل» دورًا بارزًا وكان له حضورًا ملموسًا في مشروع إنشاء طريق أسفلتي بين الشارقة ورأس الخيمة مرورًا بعجمان وأم القوين، الذي أمر به الملك «فيصل» وكلّف بتدشينه شركة «بن لادن»، فوقع الاختيار على «الشهيل» من قبل وزير المواصلات بناءً على طلب من الملك «فيصل» بحضور حفل افتتاح الطريق وكان ذلك عام1966م، فسافر إلى مكان المشروع نحو خمس مرات للتحضير لهذا الافتتاح، وكان هناك خلاف حول العلم الذي يُرفع في حفل الافتتاح، هل العلم السعودي أم الإماراتي؟، فحسم الملك «فيصل» الموضوع برفع العلمين معًا بعد اتصاله بشيوخ الإمارات حول الموضوع، وكان يرافقه بهذا الشأن القنصل السعودي «عبدالله الدباغ»، وقد قابل «الشهيل» في المُهمة هذه حاكم دبي الشيخ «راشد بن سعيد» بن مكتوم وشيخ الشارقة «سلطان القاسمي» وشيوخ عجمان وأم القوين ورأس الخيمة، وقد لفت نظره مدى الامتنان والاحترام الذي يكّنه شيوخ الإمارات للملك «فيصل»، الذي كانت هيبته تَطغى على الجميع فعندما كان يهم بالمغادرة يأتي كل واحد منهم ويقول له سلم على طويل العمر.

عالم الصحافة

ولم يكن «للشهيل» دورًا بارزًا في السكة الحديد فحسب، وإنما علاقته الوظيفية التي تربطه بالشيخ «عبدالله بن خميس» الذي كان يشغل حينها منصب وكيلاً لوزارة المواصلات، فتحت له آفاقًا نحو عالم الصحافة، إذ دعاه للعمل معه في مجلة الجزيرة التي كان مديرًا عامًا لها قبل أن تصبح جريدة، وقد ساعده في دخول عالم الصحافة قراءته لعدد من الروايات العربية والكتب الأدبية «للعقاد والمنفلوطي» وأشرف على تحرير الجزيرة وأصبح له مقالاً أسبوعيًا، وبعد خروج الشيخ  «خميس» من إدارة الجزيرة أصبح «الشهيل» المدير العام للمؤسسة، ثمّ مُشرف التحرير، وفي هذه الأثناء حصل على دورة تدريبية في نيويورك عن الموانئ والصحافة في وقت واحد، وكان له الخيار في دورته التدريبية وبعد عودته إلى البلاد استقال رئيس تحرير الجزيرة حينها «عبدالعزيز السويلم» فتولى مهام رئيس التحرير كمشرف على التحرير، لأنه كان من الشروط أن يكون رئيس التحرير متفرغًا، ومن ثمّ ترك العمل في التحرير وأكتفى بعضوية مجلس الإدارة كأحد المؤسسين.

عضو مؤسس

ويُذكر أنه بعد تسلمه مهام الرئيس العام للسكة الحديد ووجوده بالمنطقة الشرقية، حيث مقر جريدة اليوم وكانت تعاني ماليًا وتدخل وزير الإعلام واتفق مع رئيس مجلس إدارتها «حمد المبارك» الذي أدخله كعضو مجلس إدارة ومُساهم وطلب منه الإشراف على التحرير، وبحكم أنه موظف حكومي استعان «الشهيل» بالصحفي المعروف «عثمان العمير» والصحفي الشهير «عمرو أديب» لتطوير الجريدة وبالفعل تسلم «العمير» الجريدة كرئيس تحرير مُكلف لمدة ستة أشهر ليعود إلى عمله في لندن مديرًا لمكتب جريدة الجزيرة هناك، بعد ذلك خرجت اليوم من أزمتها وضمت العديد من الكتاب المرموقين وأصبح «الشهيل» عضوًا مؤسسًا في ثلاث صحف يومية هي: (الجزيرة، اليوم، الوطن)، إضافة إلى جريدة الرياضي التي أسسها في الدمام حتى تم بيعها بعد أن تعرضت لخسائر كبيره إلى أن صدر قرار باقتصار تملك الشخص أسهم في مؤسسة صحفية واحده واستقر رأي «الشهيل» حينها على جريدة اليوم واستمر بها كعضو مؤسس حتى وفاته.

ولعه بالرياضة

وبحكم الاهتمام الكبير «للشهيل» بالرياضة، الذي كان مولعًا بها منذ الصغر، فقد كان لاعب كرة سله نظرًا لطول قامته، ومحبًا لرياضة الجري التي حاز فيها على المركز الثالث خلال دراسته بمدارس بغداد الابتدائية، وفي الجامعة الأمريكية ببيروت لعب في مركز الوسط بفريق كرة القدم بالجامعة وبعد عودته من بعثته الدراسية بالولايات المتحدة لم يكن لديه أي فكرة عن الأندية السعودية، وفي الرياض وجهت له الدعوة لحضور المباراة النهائية على كأس الملك بالرياض بصفته الوظيفية كمدير عام الموانئ، كما وجهت الدعوة لزميله الشيخ «حسين منصوري» كونه مدير عام وزارة المواصلات قبل أن يصبح وزيرًا لها،  وكانت المباراة بين نادي الهلال ونادي الوحدة، فوجد زميله يشجع النادي الأحمر وعنادًا فيه من باب المُزاح شجع النادي الأزرق وفاز الأزرق بالكأس وهو لا يعرفه، وكتب رئيس القسم الرياضي في جريدة الرياض «تركي السديري» في اليوم التالي : («فيصل الشهيل» مدير الموانئ يُشجع الهلال)، وبعدها بيومين أتى إليه رئيس الهلال «عبدالرحمن بن سعيد» ومعه «عبدالرحمن الحمدان» و«إبراهيم القدهي» وطلبوا منه الانضمام لمجلس الإدارة الجديد للهلال، وقال لهم أنا لا أعرف شيء عن الرياضة، فقالوا نريدك معنا ثم أجتمع مع الأعضاء وطلبوا منه أن يكون رئيسًا لمجلس الإدارة بعد خروج «بن سعيد» فرفض قائلاً: (رحم الله امرأً عرف قدر نفسه)، ثم طلبوا منه أن يكون نائبًا للرئيس فوافق وتولى الرئاسة «عبدالرحمن الحمدان»  وبعد انتقاله للمنطقة الشرقية بقي عضو في مجلس إدارة الهلال.

هلالي ونهضاوي

كما أنه عندما عُين «فيصل الشهيل» رئيسًا للسكة الحديد كان نادي النهضة لديه رئيس وكذلك الاتفاق إلا أن كلا الناديين يحتاجان الدعم المادي، وكتب المُعلق «جمال صديق الليل» وهو نهضاوي نريد «الشهيل» نهضاوي ووصل إليه خطابان من الناديين يعرضان عليه الانضمام فاختار النهضة لأن الاتفاق كان لديه شخصيات كبيره والنهضة بحاجة إلى دعم أكبر فوافق أن يكون رئيساً فخرياً فقط إلى جانب الرئاسة الفخرية لنادي المزاحمية مسقط رأسه والعضوية الشرفية لأندية الاتفاق،  الخليج، النور، ونادي الشباب، واستمر في دعم هذه الأندية وفي الوقت نفسه نائباً لرئيس نادي الهلال لسنوات عديدة،

وفي المجال الرياضي الرسمي عُين نائبًا لرئيس الاتحاد السعودي لكرة القدم عندما كان يرأسه الأمير «فيصل بن فهد»، كما مثّل المملكة في دورة الخليج العربي بالكويت وحضر الدورة الأولمبية في ميونخ، حيث كان نائبًا لرئيس البعثة، واستمر هلاليًا نهضاويًا حتى وفاته رحمه الله، التي حلت بعد سنوات من العمل والعطاء الإنساني المميز قضاها في خدمة وطنه في العديد من المجالات الوظيفية منها والرياضية والصحفية كان له أوضح البصمة، فترجل الفارس تاركًا وراءه تركة ثرية من السيرة الحسنه والسمعة الطيبة يرويها كل من عرفه أو تعامل معه.