نون

الدكتورة جنان العمران: المرأة السعودية على قَدْر الرهان

المرأة السعودية تنطلق اليوم إلى المستقبل بروح المشاركة والابتكار والإصرار والعزيمة على النجاح

عملي السابق كمديرة للتخطيط مكَّننا من تجاوز تداعيات الجائحة

واجهنا الشُّح العالمي الحاد للإمداد العلاجي بدعم وتشجيع التصنيع المحلي والمصانع الوطنية للوصول إلى الاكتفاء الذاتي

تم تعينها كأول سعودية في منصب مديرة للتموين والخدمات اللوجستية بمدينة الأمير سلطان الطبية العسكرية، وشاركت في لجان رؤية المملكة 2030م، وتعد من النساء السعوديات اللواتي يتمتعن بخبرات علمية وعملية ممتدة لأكثر من ثلاثة عشر عامًا في مجالات التطوير الاستراتيجي الطبي والإدارة والخدمات اللوجستية.

حققت الدكتورة جنان بنت إبراهيم العمران نجاحًا ملموسًا منذ توليها المنصب في 9 يونيو العام الماضي 2020م، الذي جاء بالتزامن مع انتشار جائحة كورونا، التي وضعت العالم والمملكة في تحدٍ كبيرٍ لاسيما فيما يتعلق بمجالات الإمداد والتموين الطبي والاستيراد والتصدير وكافة الخدمات اللوجستية ومواجهة الشُّح العالمي الحاد للإمداد العلاجي (الدوائي)، إلا أنها استطاعت أن تكون على قدر الثقة الممنوحة لها، وأن تلعب دورًا رئيسًا في تحقيق سلاسة في عمليات الإمداد والتموين الطبي والإسهام في توفير كافة الاحتياجات العلاجية والطبية لدعم المحتوى المحلي.

ترى العمران في حوار مع الاقتصاد أن المرأة السعودية تعيش عصرها الذهبي، وعليها أن تنطلق إلى المستقبل بروح المشاركة والابتكار والإصرار والعزيمة على النجاح، وأن تدرك جيدًا أن هناك قيادة رشيدة – حفظها الله – تؤمن بقدراتها على العطاء في مسيرة النمو والتنمية، إنها الدكتورة جنان بنت إبراهيم العمران، التي التقتها – الاقتصاد-، وإليكم تفاصيل الحوار:

تخرجتِ في كلية الصيدلة وأصبحتِ الآن مثالًا يحتذى به في الإدارة والقيادة والقدرة على مواجهات التحديات، حدثينا عن البدايات؟

أنا فخورة بكوني ابنة هذا البلد المعطاء، كانت البداية حين تخرجتُ في كلية الصيدلة بجامعة الملك سعود عام 2006م، وعملتُ كصيدلانية إكلينيكية كأول سعودية تتخصص في الأدوية النفسية ومن ثم مديرة للصيدليات الداخلية والعيادات الخارجية في مستشفى الأمل للصحة النفسية، وبعدها شغلتُ عددًا من المناصب في وحدات الرعاية الصحية بوزارة الصحة حتى انتقالي إلى مدينة الأمير سلطان الطبية العسكرية كمخططة في إدارة التموين ومن ثم مديرة للتخطيط في المدينة نفسها، واستطعتُ خلال الأعوام الماضية أن أدعم ممارساتي العملية بالعديد من الدراسات والشهادات المتخصصة كدبلوم الطب المبني على البراهين عام 2013م وشهادة دورة إدارة سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية عام 2019م.

مارستِ عملك كمخططة ومديرة لإدارة التموين والخدمات اللوجستية بأحد أكبر المنشآت الطبية على مستوى الشرق الأوسط، حدثينا عن طبيعة عملك خلال فترة الإدارة وكيف كانت التجربة بالنسبة لك كأول امرأة سعودية تتولى هذا المنصب؟

في البداية أحمد الله سبحانه وتعالى على فضله ومنّه وتوفيقه ثم الفضل لمقام مولاي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ولسمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان – حفظهم الله ورعاهم – على الدعم الكبير الذي تلقيته كأي مواطنه في هذا الوطن العظيم، وإنني لأشعر بالفخر والاعتزاز أنني إحدى نساء الوطن التي مُنحت لها الفرصة حتى نالت شرف الثقة بأن أكون أول سعودية تتولى منصب مديرة للتموين والخدمات اللوجستية في إحدى المنشآت الطبية، التي تعد من أكبر المنشآت الطبية على مستوى الشرق الأوسط، بالإضافة إلى أن تكليفي جاء مع بداية جائحة كورونا، والكل يعلم أنها جائحة مفاجئة واستثنائية غير مسبوقة، وهذا ما جعل التحدي أمامي وأمام فريق العمل الذين أعتز بهم كثيرًا؛ إذ عملنا سويًا كفريق واحد وقد تجاوزنا كل الصعوبات والعقبات، كما جاء هذا التكليف بالتزامن مع إعادة التنظيم في إدارة التموين التي وضعتها منذ بداية تكليفي وفق استراتيجية واضحة لتنظيم العمل، وما ساعدني على ذلك هو عملي السابق كمديرة للتخطيط في الإدارة.

واليوم وبعد مرور ما يقارب عامين من العمل غير السهل، أشعر بالرضى أنني أستطيع تحقيق معظم الأهداف التي وضعتها لهذه الإدارة التي كانت تتطلب مني الجهد المضاعف في المتابعة والتواصل المستمر طوال اليوم، إضافة إلى حضور الذهن في تحديث المعلومات وكذلك مسؤوليات الاستلام والتسليم والتخزين وغيرها.

ما هي رؤيتك للفروقات بين الأكاديمي وصاحب الخبرات في الحفاظ على مهام العمل وتحقيق مُنجز حقيقي لاسيما في هذا المجال؟

علينا أولًا أن نتفق بأن مجال اللوجستيات يُعد من المجالات الحديثة أكاديميًا في المملكة، وهناك العديد من العاملين بهذا المجال ممن اكتسبوا خبرات ومهارات لسنوات عديدة أهلتهم لإدارة المنشآت اللوجستية فاستحقوا (شهادات احترافية) في هذا المجال، بمعنى يتم تقييم كفاءتهم لإدراك المحتوى، الذي تم تصميمه بناء على احتياج سوق العمل في مجال اللوجستيات مرتكزين بذلك على الممارسة والخبرة العلمية، وعليه يُفضِّل أصحاب الأعمال والقيادات توظيف المحترفين بتخصص ما على أي أكاديمي ليس لديه خبرة، حيث أن صاحب الخبرة في تخصصه قادر على وضع استراتيجية واضحة لإجراءات عمله بحيث يتم خلالها توظيف كافة الكفاءات المتاحة لتحقيق الأهداف القصيرة وطويلة المدى للمنشأة والنهوض بمكانة الوظائف المطروحة بسوق العمل في هذا المجال الحيوي.

سوق العمل في حالة تغير مستمر واحتياجاته للأمس غير احتياجاته لليوم، فما هي احتياجاته الحالية وهل لازالت التخصصات كالطب والصيدلة والتمريض من الاحتياجات الرئيسة لسوق العمل؟

بالتأكيد سوق العمل اليوم ليس كالأمس، فهناك مهن أصبحت غير موجودة حاليًا وهناك مهن حديثة واكبت حالة التطور التكنولوجي الكبير الذي حدث للعالم في الآونة الأخيرة، ولكن تظل مهن التخصصات الصحية مطلبًا أساسيًا كقاعدة بيانات لدى من يعمل في مجال التموين الطبي والخدمات اللوجستية المساندة للخدمات الصحية المقدمة للقطاعات الطبية الصحية.

ومع انطلاق الرؤية في 2016م وما تضمنته من مسارات للنهوض بكافة المجالات أصبح أمام المرأة السعودية وكذلك الشباب السعودي أعداد هائلة من الوظائف ووفرة في فرص العمل التي تنتجها مشاريع ومبادرات الرؤية في العديد من القطاعات وعلى رأسها قطاع النقل والإمداد والخدمات اللوجيستية وقطاع التعدين والصناعة والتجزئة والمال والاستثمار وتقنية المعلومات.

حصلتِ على دورات متنوعة في مجال سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية وغيرها من المجالات المتعلقة بإمدادات الأدوية، فما أبرز ما واجهته في عملك خلال جائحة كورونا؟

جائحة كوفيد – 19 كانت تحديًا عالميًا على جميع الأصعدة والمجالات وعلى رأسهم مجال الإمداد والتموين الطبي والاستيراد والتصدير وكافة الخدمات اللوجستية والشح العالمي الحاد للإمداد العلاجي (الدوائي) والمستلزمات الوقائية الطبية في ظل عزوف الكثير من الشركات العالمية عن تصدير بضائعها، وذلك بضغط من حكوماتها مما دعانا للتوجه بدعم وتشجيع التصنيع المحلي والمصانع الوطنية للوصول للاكتفاء الذاتي، وذلك بدعم لامحدود من حكومتنا الرشيدة ورؤيتها الثاقبة للمستقبل القريب في ظل الأزمة العالمية وعليه وبوقت قياسي تم توفير كافة التسهيلات للإجراءات لحث المصانع الوطنية على إنشاء خطوط إنتاج جديدة ومضاعفة الإنتاج المحلي الحالي، وذلك لتخطي هذه الأزمة العالمية والوصول للاكتفاء الذاتي كهدف أساسي لدعم المحتوى المحلي برؤية المملكة 2030م.

أنتِ من الشخصيات التي شاركت في اللجان الخاصة برؤية المملكة 2030م، وتحديدًا فيما يتعلق بمشاركة المرأة في سوق العمل، فما هي طبيعة مشاركتك؟

إنه لمن الفخر لي أن أشارك وأكون ضمن لجان الرؤية وضمن الفرق الوطنية لأجل رفعة وطننا المعطاء، فقد شاركتُ بخبراتي التي اكتسبتها من عملي في السوق السعودي وبالأخص في مجال الصناعات الدوائية والطبية ومع الهيئات التنظيمية الوطنية المشرفة على هذه الصناعات، وأيضًا لخبرتي في مجال اللوجستيات من تصدير واستيراد ومشاركتي في العديد من منافسات الشراء الحكومية واللجان الفنية التابعة لها بشراكات كبرى مع الشركات والمصانع المحلية والوطنية  والعالمية لدعم السوق المحلي وتوفير كافة الاحتياجات العلاجية والطبية لدعم المحتوى المحلي وموائمتها مع المرصود لها من ميزانيات مالية والعمل مع هيئات وطنية لترشيد الاستهلاك وضمان كفاءة الإنفاق.

هل المتغيرات التي أحدثتها الرؤية حققت نتائجها في زيادة دور المرأة ورفع حصتها في سوق العمل؟

تتلقى المرأة السعودية دعمًا غير مسبوق في هذا العهد الميمون من مولاي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وبرؤية طموحة من سمو سيدي ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان -حفظهم الله – وقد أثبتت المرأة السعودية جدارتها وأصبحت على قدر الرهان ولعبت دورًا تنمويًا هامًا في دعم الاقتصاد الوطني والخطط التنموية الشاملة، وبالتالي حققت مكاسب اجتماعية واقتصادية وتنموية للوطن، وهذا ما جعل تمكين المرأة السعودية في نمو وتنوع بل وأصبحت شريكة للقيادات كصانعة قرار وتولت العديد من المناصب القيادية.

هل للمسؤولية الاجتماعية تأثير على السياسات والاستراتيجيات العامة للشركات بدعم الأيدي العاملة من الجنسين؟

بلا شك، إن للمسؤولية الاجتماعية تأثيرًا إيجابيًا على السياسات والاستراتيجيات العامة للشركات وأبرزها التوظيف، وتوفير الكوادر البشرية وتدريبها لضخها في سوق العمل المحلي وكذلك الاستثمارات المالية للأعمال الخيرية، التي تلعب جميعها دورًا كبيرًا في التنمية الاقتصادية، حيث تعتبر من أهم مصادر الاستثمار وتوفير الموارد من شركات مستفيدة اقتصادية متواجدة على أرض الوطن، وكذلك توجيه الأموال والموارد إلى الأنشطة المتنوعة لخدمة أفراد المجتمع السعودي.

التموين والخدمات اللوجستية من المجالات المتشعبة سواء من ناحية المسؤوليات أو المهام، فهل لنا أن نتعرف من خلالكم على هذا المجال وما يتضمنه من مسؤوليات ومهام يجب أن يتصف بها منسوبو هذا المجال؟

حقًا فإن قطاع التموين والإمداد من القطاعات التي تتعدد مهامها ومسؤولياتها وتحتاج إلى طاقات إدارية على قدرٍ عالٍ من الاحترافية والمتابعة؛ ولعل من أبرز المهام والمسؤوليات تتلخص في التخطيط والإشراف على العمليات اللوجستية وإدارة خدماتها والإشراف على مستودعات التخزين الاستراتيجي ومتابعة مستجدات وأساليب التصنيع والتواصل مع الهيئات الوطنية الرقابية المشرفة على جودة التصنيع ودعم التصنيع المحلي، وكذلك التفاوض مع العملاء والموردين والمشاركة  بمنافسات الشراء الحكومي فنيًا وإداريًا، ومتابعة حركة التوريد والإشراف على طرق وأساليب حث الموردين لاستعجال التوريد، ومراقبة جودة المخزون وطرق التخزين وجودة كافة مراحل الخدمات اللوجستية وسلسلة الإمداد للمنشأة، والإشراف والتعاون مع الأقسام والإدارات ذات العلاقة بسلسلة الإمداد وتوزيع المهام كلٌّ في اختصاصه، إضافة إلى الإشراف على عمليات الاستلام والتسلم ولجان الفحص والمعاينة ومدى مطابقة العينات للشروط والأحكام التي نصَّ عليها نظام المنافسات الحكومية، وكذلك الإشراف على تطوير وصقل مهارات الموظفين ودعمهم بدورات تزيد من كفاءة إنتاجيتهم، وغيرها العديد من المهام والمسؤوليات كالإشراف على دراسات التطوير وإجراءات العمل التموينية والخدمات اللوجستية.

وأخيرًا وليس آخرًا هناك مهارات شخصية لابد من تواجدها لدى أي مسؤول يعمل في مجال التموين والخدمات اللوجستية وهي الاستقلالية، مهارات حسابية وحاسوبية، مهارات إدارية لتحديد المشاكل ووضع الحلول لها، مهارات التنظيم للمهام والوقت، ومهارات تعدد المهام والتحليل وصياغة المحتوى والتقارير.