نافذة

أوبك وأوبك بلس.. والتحديات القائمة !

التحديات والمنعطفات التي واجهت منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) التي تأسست عام 1960م لم تكن وليدة اللحظة بل رافقتها خلال مسيرتها بداية من الحظر النفطي عام 1973م وماتلاه من أحداث سياسية جوهرية طالت بعض أعضاء المنظمة وأثرت على مستويات الإنتاج لديها كتغير نظام الحكم في إيران عام 1979م والحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي والغزو العراقي للكويت عام 1990م والغزو الأمريكي للعراق عام 2003م وتبعات الأزمة المالية العالمية التي بزغت أواخر عام 2007م ورغم التحديات السابقة فإن منظمة أوبك استطاعت التأقلم مع تلك المتغيرات والتماهي معها لتقود بالتالي سوق الطاقة نحو التوازن في تلك المرحلة إلا أن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال نهاية المطاف والوصول إلى بر الأمان في ظل المتغيرات التقنية والجيوسياسية في العالم!.

يمكن عزو سلاسة الحلول (إن صح التعبير) التي جابهت بها منظمة أوبك التحديات السابقة حتى أواخر عام 2009م إلى كون المحور الرئيس لتلك التحديات كان يتعلق بمسألة القدرة على ضبط إمداد العالم بالنفط وسد النقص بكمياته المصدرة وبما يتلاءم مع أوضاع الاقتصاد العالمي وحاجته الماسة لسلعة النفط باعتبارها المصدر المتسيد وغير المُنافَس لإنتاج الطاقة وقتها. ومثل هذه الأمور بالإمكان التعاطي معها بيسر داخل منظمة أوبك وخاصة من قبل بعض أعضائها الكبار ذوي القدرات الفنية والسعة التصديرية المرنة التي تؤهلهم للتكيف مع تلك المتطلبات.

ومع قدوم العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين وما صاحبه من تطور في التقنية الخاصة بشؤون استخراج النفط برزت تحديات جديدة في سوق النفط وهو ما عرف وقتها بثورة النفط الصخري في الولايات المتحدة الأمريكية التي حولتها من أكبر مستورد للنفط الخام إلى أكبر المنتجين له (بدأت بالتصدير لاحقًا لتزيد كميات العرض) وشكل هذا تحدي آخر (ولا زال) طال الحصة السوقية لمنظمة أوبك بصورة عامة وإلى بعض دولها الأعضاء بصورة خاصة التي تنتج نفط مشابه لنوعية النفط الصخري “الخفيف – الحلو”.

كما أن الضغوط السياسية وحالة عدم الاستقرار التي تعرضت لها بعض دول أوبك والعقوبات الاقتصادية التي تفرضها أمريكا تارة وتزيلها تارة أخرى على بعض الدول سواء من داخل أوبك أو من خارجها (تحقيقًا لمصالحها) إضافة الى بروز دولة من خارج منظمة أوبك وهي روسيا كلاعب رئيس في تصدير النفط – تعد ثاني أكبر مصدر للنفط بعد السعودية ومنافسًا تقليديًا لأمريكا – ناهيك عن تقلبات الاقتصاد العالمي وتكتلاته وتباطؤ درجة نموه وحالة التنافس الدولي فقد ساهمت هذه العوامل بدورها بتشكيل تحد إضافي نتج عنه عدم التزام بعض أعضاء منظمة أوبك بحصصهم الإنتاجية واستغلال بعض الدول المنتجة للنفط من خارج المنظمة ارتفاع الأسعار بضخ كميات إضافية كما ظهر عامل المنافسة داخل منظمة أوبك نفسها وبين من خارجها من جانب آخر للوصول إلى ذات الأسواق العالمية المستهلكة للنفط! مما أضعف بالتالي سوق النفط وعزز من تقلباته السعرية (انخفض خام برنت من سعر 114.83 إلى 27.29 دولار ما بين عامي 2014م و2016م)!.

وكمخرج لا مفر منه لتلافي هذا التصدع في سوق الطاقة الذي أثر على كافة الدول المصدرة للنفط بالسالب وبدرجات متفاوته تم الاتفاق وبشكل مبدئي عام 2016م بين دول منظمة الأوبك وعشرة دول مصدرة للنفط من خارجها على رأسها روسيا على تخفيض كميات الإنتاج فيما بينها بما يعزز عودة أسعار النفط نحو التعافي (سُمي تحالف أوبك بلس) أثمر الاتفاق عن تعافٍ مؤقت في سوق النفط حتى تاريخ 3 أكتوبر 2018م حيث بلغ أعلى سعر لخام برنت (86.74) دولار وبدأت الأسعار بعدها بالتذبذب الجانبي خلال السنتين اللاحقتين، ولتعزيز تفاهمات الاتفاق السابق وترسيخ مفهوم التعاون الدائم وإضفاء الصبغة الرسمية عليه وبجهود سعودية روسية بارزة تم التوقيع على ميثاق دول أوبك بلس عام 2019م رافقه اتفاق على تمديد تخفيض كميات الإنتاج التي اتفق عليها مسبقًا حتى مارس 2020م.

إلا أن موازاة بداية تفشي جائحة كورونا مطلع عام 2020م ونهاية اتفاق تخفيض كميات الإنتاج لأوبك بلس في مارس 2020م كان يتطلب إجراء مسبقًا آخر لتحاشي انهيار الأسعار في المستقبل (وهو مادعت له السعودية) يتمثل بوجوب تعميق تخفيض كميات الإنتاج مجددًا وتمديد فترة الاتفاق السابق وهو مارفضت روسيا جزءه الأول مع قبولها بالتمديد! وكنتيجة لهذا الرفض الروسي فُتح التنافس السعري لمبيعات النفط على مصراعيه لتكون النتيجة لاحقًا انخفاضًا حادًا في عقود نفط برنت حيث وصلت إلى (15.98) دولار في أبريل 2020م ولأسباب تقنية إضافية انهارت عقود الخام الأمريكي لنفس الشهر لما دون الصفر دولار (بالسالب)!.

وبعد أن شوهدت مقدمات النتائج السابقة من انهيار حاد لأسعار النفط تم تدارك الأمر في الشهر نفسه أي أبريل 2020م بتفعيل اتفاق أوبك بلس مجددًا وأقرت تخفيضات إنتاجية إضافية قاربت الـ 10 ملايين برميل باليوم تبدأ من شهر مايو 2020م مع وعود من أمريكا أن تساهم شركاتها النفطية بعملية تخفيض إنتاجها النفطي أيضا. وهذا الحراك من قبل أوبك بلس أتى أُكله لاحقًا وعادت أسعار النفط للتصاعد مجددًا لمستويات ماقبل الانهيار الأخير، وربما هذا التحسن في الأسعار (رغم وجود التحديات) شجع بعض الدول من داخل أوبك بلس كالإمارات إلى المطالبة بزيادة حصتها الإنتاجية عما كان متفقًا عليه عند مستويات عام 2018م! وحُل هذا الإشكال لاحقًا بالتوافق مابين دول أوبك بلس.

التحديات لازالت قائمة بالنسبة لدول أوبك وأوبك بلس وربما المنافسة على حجم الحصص الإنتاجية أو عدم التقيد بها سيتكرر في السنوات القادمة كما أن مسألة الالتزام بالتوافقات المستقبلية لدول أوبك بلس هي تحد أخر يواجه التحالف خاصة إذا ما أُخذ في الاعتبار اختلاف المقومات والظروف والتطلعات الاقتصادية والسياسية لكل بلد (العراق ينوي رفع طاقته الإنتاجية وتغير كميات الإنتاج في إيران وليبيا خاضعة للظروف السياسية) كما أن عودة أمريكا للانضمام لاتفاق باريس للمناخ في 19 فبراير 2021م والذي يعنى بحماية البيئة وإزالة الأسباب المؤدية إلى التغير المناخي وارتفاع درجة الحرارة في العالم عن طريق الحد من انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري ويهدف بالوقت نفسه نحو التحول للطاقة الخضراء (الطاقة المتجددة) يمثل تحديًا متجددًا للدول المنتجة للوقود الاحفوري.

وقفات :

  • السعودية ولسنوات طوال كانت على رأس الدول المنتجة للنفط التي تحملت الأعباء الجمة للمحافظة على توازن سوق النفط عالميًا ولولا تضحياتها وجهودها القيادية المستمرة لما عادت أسعار النفط إلى ماهي عليه حاليًا.
  • درج عرفًا استخدام مصطلح “إنتاج النفط والدول المنتجة للنفط” بدل المصطلح الأصح “استخراج النفط والدول المستخرجة للنفط”.