رجل وزمان

«نعيم النعيم» .. رائد برنامج التخصيص في الموانئ السعودية

اُختير عام 2018م ككبير مستشارين في مدينة نيوم.

رفع نسبة التوطين في ميناء الدمام من %50 إلى %99.

صُنف كأحد الأشخاص المؤثرين في صناعة النقل البحري في الشرق الأوسط عام 2007م.

لعب دورًا كبيرًا في تقديم ميناء الملك عبدالعزيز الدعم اللوجستي إبان حرب الخليج الثانية.

يأتي أشخاصًا وكأنهم ولدوا قادة بالفطرة .. فمن أول وظيفة يتولَّونها تظهر ملامح القيادة في سماتهم أثناء تأديتهم لمهامهم الوظيفية، وشيئًا فشيئًا تكبر سمات القيادة لديهم كلما كبر موقعهم الوظيفي لتبدو جلية عندما يتسلمون موقعًا قياديًا، فتظهر ابداعاتهم وأفكارهم التي من شأنها أن تُطور المرفق الذي يتولون إدارته لينتقل بهم إلى آفاق جديدة.

يكاد ينطبق ذلك على الراحل «نعيم بن إبراهيم النعيم»، الذي صُنف كأحد الأشخاص المؤثرين في صناعة النقل البحري في الشرق الأوسط عام 2007م، وبدت ابداعاته وأفكاره نموذجًا في الارتقاء بقطاع الموانئ، فهو من شق طريقه في القيادة حتى أصبح مديرًا عامًا لأكبر الموانئ السعودية على الساحل الشرقي من المملكة، وشارك في تنمية وتطوير هذا القطاع الحيوي، الذي يعد أحد أهم الروافد الاقتصادية في أي دولة حتى بدت إنجازاته وأفكاره واضحة للعيان.

الولادة والنشأة

ولد «نعيم بن إبراهيم النعيم» عام 1957م في الأحساء، التي عاش فيها مراحل طفولته الأولى، ومن ثم انتقل مع والده إلى مدينة الرياض، الذي كان يعمل في بيع وشراء الملابس مع مجموعة من أهالي الأحساء، حتى صار يعرف تجمعهم بالرياض بـ(سوق الحساوية) في منطقة الديرة بقيصرية أهل أو شيقر القريبة من قصر الحكم بالرياض.

وقد كان «نعيم النعيم»، طفلاً متفوقًا تعليميًا؛ إذ بدت عليه علامات التفوق أثناء دراسته، ففضل والده أن يستكمل الأبن تعليمه فقرر عودته إلى مسقط رأسه بالأحساء ليعود «النعيم» مرةً أُخرى محملاً بذكريات الطفولة والديرة الخضراء وبأحلام استكمال شغفه التعليمي ليستقر فيها حتى أنهي دراسته للثانوية التجارية.

الحياة العملية

وبعد أن أنهى «نعيم النعيم» دراسته في الثانوية التجارية، انطلق بأحلامه في حياته العملية، واستلم وظيفته  في ميناء الملك عبدالعزيز بالدمام عام 1978م، بوظيفة مدقق إداري بالمرتبة الخامسة، ونظرًا لشغفه بالتعليم ورغبته في استكمال دراسته، التحق عام 1982م بجامعة الملك عبدالعزيز منتسبًا حتى حصل على درجة البكالوريوس في العلوم الإدارية عام1987م وهو على رأس عمله ليطور من مكانته العملية بالميناء ويتدرج وظيفيًا، حتى تم تعيينه مديرًا لشؤون الموظفين بالميناء، واستمر «نعيم النعيم» في تطوير قدراته العلمية ليحصل على الدبلوم في اقتصاديات النقل البحري، ثم درجة الماجستير في اقتصاديات النقل الدولي واللوجستيات من الأكاديمية العربية للعلوم والنقل البحري في مدينة الإسكندرية بجمهورية مصر العربية.

قفزات إدارية

بفعل تطويره لنفسه علميًا، استطاع أن يقفز وظيفيًا لتتم ترقيته من المرتبة السادسة إلى المرتبة الثامنة، ومنها إلى العاشرة كمدير للشؤون الإدارية والمالية بالميناء عام 1989م، وبعد ذلك، تمت ترقيته إلى المرتبة الثانية عشرة نائبًا لمدير عام الميناء عام 1993م ليحصل بعدها على ترقية للمرتبة الثالثة عشرة مديرًا عامًا مكلفًا للميناء، ثم تمت ترقيته إلى المرتبة الخامسة عشرة بقرار من مجلس الوزراء مديرًا عامًا لميناء الملك عبدالعزيز بالدمام.

نسبة التوطين

خلال مسيرته الإدارية  استطاع «نعيم النعيم» أن يرفع نسبة التوطين في ميناء الدمام من %50 إلى %99، وذلك باتباعه البرامج التدريبية للعاملين في الموانئ العالمية، وكذلك البرامج التدريبية المحلية، كما أعاد هيكلة تنظيم الميناء خلال تسلمه إدارة الشؤون الإدارية والمالية، فضلاً عن منحه للأمن والسلامة أهمية قصوى في بيئة العمل من خلال إنشاء أقسام مختصة في سلامة التشغيل وإدارة الأزمات.

إنجازات إدارية

كما أنشأ خلال مسيرته الإدارية أقسام للتدقيق الداخلي ووضع السياسات والإجراءات لضمان أفضل الممارسات في التشغيل، وأنشأ إدارة للتسويق للتواصل مع العالم الخارجي، كما لعب دورًا كبيرًا في تقديم ميناء الملك عبدالعزيز الدعم اللوجستي إبان حرب الخليج الثانية أثناء الغزو العراقي للكويت من خلال التعامل مع البارجات الحربية والإشراف على السفن ومكافحة التلوث الناتج عن تسرب الزيت منها.

مكانة عالمية

وكان للنجاحات الكبيرة التي حققها دورًا كبيرًا في تحقيق الميناء مكانة عالمية ومرموقة في حركة التبادل التجاري ومناولة البضائع؛ وخلال توليه لدفة إدارة الميناء لـ23 عامًا تمكن «نعيم النعيم» من زيادة إيرادات الميناء من 220 مليون إلى مليار و300 مليون ريال، كما شهدت فترة قيادته للميناء تنفيذ مشاريع بنية تحتية قُدرت بخمسة مليارات ريال جعلت ميناء الملك عبدالعزيز بالدمام في مصاف الموانئ العالمية.

برامج الخصخصة

عمل «نعيم النعيم» رئيسًا لعدة لجان تعمل على تطوير الموانئ السعودية وتنفيذ برامج خصخصة عمليات التشغيل حيث أشرف على مفاوضات الخصخصة الأولى في ميناء جدة الإسلامي وميناء الملك عبدالعزيز بالدمام بالشراكة بين القطاعين العام والخاص، وكانت هذه هي الخطوة الأولى لبداية «النعيم» في دخول مفاوضات الاستثمار والمشاركة في أنشطة صندوق الاستثمارات العامة، وفي مجال دعم الصناعات المحلية لعب «النعيم»  دورًا في تأسيس أول شركة لبناء السفن في المملكة، وكذلك تأسيس أول شركة لبناء المنصات البترولية في الموانئ السعودية لمساندة أعمال شركة أرامكو السعودية من قبل القطاع الخاص.

نجاحه في التفاوض

وساهمت خبرته الكبيرة في مجال الموانئ في نجاح الكثير من المفاوضات التي شارك فيها ممثلاً لقطاع الموانئ السعودية حيث أشرف على مفاوضات الخصخصة الأولى في ميناء جده الإسلامي مع شركة بوبة البحر الأحمر وشركة الموانئ الماليزية بنحو ملياري ريال.

وعلى المستوى الخليجي لعب «النعيم» دورًا مهما في تنسيق العمل بين الموانئ الخليجية من خلال رئاسته للوفد السعودي في اجتماعات سلطات الموانئ التابعة لدول  مجلس التعاون الخليجي وقام بتمثيل السعودية في العديد من الاجتماعات الخليجية لتحضير اجتماعات وزراء النقل في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

مكانة مرموقة في الموانئ

وكان لاختيار «النعيم» كأحد الأشخاص المؤثرين في صناعة النقل البحري في الشرق الأوسط عام 2007م  تتويجًا لخبراته ومكانته المرموقة في عالم إدارة الموانئ، الأمر الذي منحه رئاسة مجلس اتحاد الموانئ العربية لأكثر من ثلاث دورات ولمدة سبع سنوات فضلاً عن تمثيل السعودية في الكثير من الاجتماعات العربية والدولية في مجال النقل البحري.

إنجازات في أرقام

شغل «النعيم» منصب مدير عام ميناء الملك عبدالعزيز بالدمام منذ عام 1995م وحتى تقاعده عام 2018م وخلال هذه الفترة حقق العديد من الإنجازات، كزيادة عدد الحاويات من 307 آلاف حاوية إلى مليون وستمائة ألف حاوية، وزيادة طنية البضائع العامة المناولة من 8 مليون وثماني مائة ألف طن إلى 29 مليون وستمائة ألف طن، وإيرادات الميناء من 219 مليون ريال إلى مليار و300 مليون ريال، فضلاً عن تنفيذه أول برنامج خصخصة لعمليات التشغيل في تاريخ الموانئ السعودية، والذي تم تنفيذه في إطار نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص إكمال نموذج BOT الأول في الدمام وهو عبارة عن شراكه بين صندوق الاستثمارات العامة وهيئة الموانئ السعودية وهيئة موانئ سنغافورة بحجم استثمار في مرحلته الأولى بلغ مليار و200 مليون ريال.

عضوية اللجان

وقد شارك «النعيم» في عضوية 17 لجنة محلية وإقليمية مثّل خلالها هيئة الموانئ السعودية واتحاد الموانئ العربية وسلطات الموانئ لدول مجلس التعاون الخليجي، وفي مجال الدورات التدريبية والمعارض والمؤتمرات الدولية فقد شارك في أكثر من ثلاثين دورة ومؤتمر دولي كان أخرها مشاركته في المؤتمر الدولي للنقل البحري واللوجستيات السادس بالإسكندرية عام 2017م وكانت جميعها في خدمة النقل البحري بشكل عام والموانئ على وجه الخصوص.

خبرات عملية مميزة

بعد نحو أربعين عامًا من العمل الدؤوب في مجال الموانئ والنقل البحري وتقاعده عن العمل تم اختيار «النعيم» عام 2018م ككبير مستشارين في مدينة نيوم التي يرأس مجلس إدارتها ولي العهد –حفظه الله-  حيث ساهم في الإشراف على إنشاء البرنامج اللوجستية للمدينة إلا أنه لم يُكتب أن يرى تحقيق الحلم الوطني الذي شارك فيه باكتمال هذا الحلم الوطني الكبير، فقد وافته المنية.

وترجل الفارس ..

وبعد أربعة عقود من العمل الدؤوب والتجربة العملية المميزة رحل «نعيم بن إبراهيم النعيم» بعد تعرضه لمرض مفاجئ، توفي على إثره في سبتمبر 2020م، وقد نعاه كل من عرفه أو عمل معه وعلى كل المستويات، تاركًا وراءه إرثًا إداريًا حافلاً وتجربة عملية وعلمية يستفيد منها كل مقبل على العمل في شتى المجالات – رحم الله – كان مثالاً، للمسؤول القيادي البارع في الإدارة والشخص الذي تتقدم صفاته الكرم وطيب المعشر.