70 عاماً

الاستثمار الأبقىَ .. الموارد البشرية نموذجًا

96 لائحة وسياسة عمل جسدت البناء المؤسسي الراسخ للغرفة

سبعة عقود شكلت الغرفة كبيئة عمل جاذبة ومصدرة للكفاءات “الوطنية”

 

هل ينفع الاستثمار في الحَجَر، دون البشر؟! ذلك السؤال الذي أجابت عنه غرفة الشرقية على مدار عقودها السبعة ولا تزال، فقد صارت بإيمان كامل ونظرة مؤكدة وواقع تعيشه مواردها البشرية، فكان عنصرها البشري هو نقطة الانطلاق، حيث أدركت الغرفة أن ذلك المورد هو الورقة الرابحة في أيّ مجال، والاستثمار الأقوى، ومن أجل ذلك سخّرَت الكثير من طاقتها وجهدها.

من أين الطريق؟ ما الأدوات؟ ما الوسيلة والغايات؟ وكيف حققت بيئة عمل نموذجية وإيجابية وجاذبة؟ في السطور التالية “تجربة” وطنية جادة في المجال الأهم من مجالات التنمية.

أكاديمية لتخريج الكفاءات

ماذا بعد وضع حجر الأساس، وبعد تأسيس هذا الكيان؟ غرفة الشرقية الآن أصبحت واقعًا، ولكن هل هي واقع ملموس، أم مجرد كيان قائم يقدم الخدمات الروتينية لمشتركيه؟

 

تسعى الغرفة لتطوير خدماتها، ورفع مستوى أدائها، وظل هذا الأمر هاجسًا ملازمًا لمجالس إدارات الغرفة المتعاقبة، طوال أكثر من سبعة عقود من الزمن، إذ توصّلوا إلى أن هذا الأمر بحاجة إلى تنظيم داخلي يدير العملية برمتها، ولا بد في هذا الشأن من الاعتماد على عنصر بشري مؤهل، وحتى يتم الحصول عليه لا بد من خطوات معينة، ربما ابتدأت باستقطاب الكفاءات من خارج المملكة، في ظل ندرة العنصر البشري المؤهل في البدايات، ومع مرور الزمن صارت الغرفة أشبه بـ”أكاديمية” لتخريج الكفاءات، فمنهم من يستمر ويواصل مسيرته في إدارات ومواقع الغرفة والمجال متاح له لمزيد من التطوّر، أو يتوجه باتجاه خارج الغرفة مثل العمل في الوزارات والمؤسسات والهيئات الحكومية والالتحاق بمواقع قيادية في قطاع الأعمال، فتكون الغرفة قد رفدت الوطن بكوادر مؤهلة ذات قيمة مضافة، وأرست من أجل تحقيقه العديد من الإجراءات والسياسات والبرامج. فماذا جرى؟

تطور اللوائح

خلال السنوات الماضية شهدت غرفة الشرقية جملة من أعمال التطوير والمراجعات والدراسات والجلسات الكثيرة، إلى أن أقرّ مجلس الإدارة في العام 2004م ـ ضمن إجراءات الهيكلة الإدارية للغرفة ــ  تحويل قسم “شؤون الموظفين” إلى إدارة للموارد البشرية، ليعكس مرحلة جديدة وبمسمى جديد بعد تجاوز كل متطلبات مرحلة التأسيس التي لم تكن سهلة، وكلّفت الكثير من الجهد والوقت والمال.

 

وحتى تعتمد الغرفة أسلوبًا جديدًا في إدارة الموارد البشرية، كان لزامًا عليها الاطّلاع على الممارسات الموجودة، وتختار الأميز منها حتى تستطيع تصميم أسلوب يتفوق على ما هو موجود، ومن ثم يحقق الريادة في إدارة الموارد البشرية وتطويرها والإعتماد عليها. وتحقيقًا لذلك قام فريق الغرفة الذي تم تشكيله لهذا الغرض بقراءة عدد من الأنظمة والسياسات لدى عدد من الشركات الناجحة في هذا الشأن سواء في المنطقة الشرقية، أو في عموم المملكة، فضلًا عن قراءة العديد من التجارب العالمية، واستمر هذا الأمر مدة من الزمن، حتى استطاع الخروج بنموذج خاص بالغرفة وطبيعة عملها، وواقع العنصر البشري العامل لديها ومتطلباته، أملًا في تحقيق النجاح في أداء المسؤوليات، وتحقيق الطموحات التي تتطلع لها الغرفة، لخدمة القطاع الخاص.

صياغة الرؤية

ومن ذلك العام عقدت الغرفة النية على صياغة رؤية واستراتيجية ترسم لها طريق المستقبل، فصمّمت الهيكل الإداري الجديد، الذي يتألف من 8 إدارات كان منها إدارة “الموارد البشرية”، وطالت عملية التحديث تنظيم الوضع الداخلي الذي كان إلى وقت طويل -يسير بموجب لائحة واحدة شاملة، حققت من خلالها العديد من الإنجازات، لكنها باتت فيما بعد لا تفي بالغرض، وصار من اللازم تطويرها وبناء  على ذلك تم وضع العديد من اللوائح حتى بلغت 96 لائحة (باللغتين العربية والإنجليزية) و55 ملحقًا خاصًا بأنظمة الجودة، وملحقًا واحدًا للموارد البشرية، وآخر لإدارة التحوّل الرقمي، وقد أصدرت الغرفة عدة أدلّة لهذه اللوائح والملحقات، بالتالي فقد جرت نقلة نوعية في التنظيم الداخلي للغرفة وعلى صعيد الموارد البشرية، التي هي عماد العمل والتغيير والإنجاز في الغرفة، منذ اليوم الأول لتأسيسها ودخولها نطاق العمل والخدمة.

 

بيئة عمل خلاقة

وبعد هذا التنظيم المتكامل، الذي هو حالة طبيعية نتيجة زيادة النشاط، وارتفاع عدد الموظفين، وتنوع مواقعهم الجغرافية النابع من زيادة عدد المشتركين، نما هاجس قوي لدى الغرفة (مجلس الإدارة والأمانة العامة)، يتمثل في جعل بيئة العمل في الغرفة أكثر جاذبية للكفاءات (الوطنية بالتحديد)، تحدّ من التسرب الوظيفي الذي هو عدو المؤسسات والشركات، فجرت عدة تغييرات على هذا الصعيد، وقامت الغرفة بمراجعات عديدة، وقامت بعدة تغييرات على بيئة العمل الداخلية ما جعل من الغرفة مؤهلة لأن تكون منافسًا قويًا في مسابقة “أفضل بيئة عمل” على مستوى المملكة التي نظمتها إحدى المؤسسات الإستشارية المتخصصة وتظفر بجائزة أفضل بيئة عمل في أكثر من نسخة للجائزة، وكانت فرصة ثمينة لمعرفة صورة وحقيقة الوضع الحالي لبيئة العمل في الغرفة مقارنة بغيرها، وإتاحة المجال لتحسينها، بعد الاطلاع على الملاحظات والتجارب في هذا الشأن ومعالجة ورصد المعالم الإيجابية وتأصيلها.

انطلاقة إضافية

وبعد المشاركة في المسابقة شهدت الغرفة انطلاقة إضافية نحو إدارة للموارد البشرية أكثر تميزًا، حيث جرى تنفيذ حزمة من الإصلاحات التي ترتقي ببيئة العمل، فشكلت لجنة تعنى بتحسين بيئة العمل، كما نفذت دراسة لتقييم الموظفين والموظفات واكتشاف المهارات، وعلى إثرها تم تصميم برنامج تدريبي متكامل للموظفين يشمل الصف الأول والثاني، ويختص ضمن محاوره بإعداد الكفاءات حيث تم إدخال العديد من الموظفين برامج تدريبية خاصة في الشأن داخل وخارج المملكة.

 

وتبعًا لذلك تم إطلاق جائزة لأفضل موظف في الأداء خلال الشهر (الموظف المثالي)، وأعقب ذلك إصدار نشرة داخلية دورية للتواصل مع الموظفين تختص بنشر إنجازاتهم والإحتفاء بمناسباتهم الخاصة، وكان لكل ذلك أثر كبير في رفع المعنويات لدى الموظفين، وبث روح المشاركة فيما بينهم من جهة، ومع القيادات العليا من جهة أخرى.

 

فباتت بيئة العمل في الغرفة بموجب شهادات وجوائز جاذبة ومؤسسية وتسير بمنحى إيجابي خاضع للتطوّر والمراجعة، وبدأت بيئة العمل في غرفة الشرقية مضرب مثل لدى العديد من المنشآت.

تأصيل أخلاقيات العمل

حرصت غرفة الشرقية على تأصيل قيم معينة آمنت بها الغرفة منذ اليوم الأول لتأسيسها، إذ تم تحويلها إلى أنظمة ولوائح عمل مكتوبة يتم تنفيذها ومتابعة عملية التنفيذ، فأصدرت لائحة تحمل عنوان “أخلاقيات العمل” وذلك لضمان استمرار عملية العطاء والجودة في الأداء، مع ضمان حق الموظف.

وقد اعتمدت الغرفة مبدأ “الشكر والتقدير”، ولذا دأبت على تنفيذ برنامج تكريم الموظفين ممن أمضوا خمس سنوات ومضاعفاتها في الخدمة، ويذكر في هذا الجانب أن الغرفة دأبت على مبدأ “التكريم” للموظف، في حال الإنجاز، وفي حال قضاء مدة زمنية (خمس سنوات وما فوق كما سبق القول)، أو في حال انتهاء مدة الخدمة، حيث يضاف إلى مكافأة نهاية الخدمة النظامية، يتم تكريم الموظف في حفل خاص أو ضمن حفل تكريم عدد من الموظفين ممن أنهوا خدماتهم، وهذا تقديرًا لعطائهم في الغرفة.

ومن ضمن الإجراءات التي تضمن حق الموظف أصدرت الموارد البشرية 32 لائحة تنظم العلاقة بين العامل والمنشأة منها: لائحة نظام العمل الداخلي المعتمد من وزارة العمل آنذاك، وغير ذلك من اللوائح.

وللتأكيد على مستوى الرضا عن الخدمات المقدمة للموظفين، دأبت الإدارة على إرسال استبانة سنوية تطلب فيها رأي الموظفين حول تلك الخدمات المقدمة، ومرئياتهم وتطلعاتهم للجديد الذي يتوقعونه من الغرفة، وهذا ضمن مبدأ التقييم والتقويم الذي تعتمده الغرفة في كل أنشطتها وخدماتها.

باقة الرعاية

وضمن باقات الغرفة التي تؤكد التزامها تجاه موظفيها سواء المنظمين من داخل المملكة أو القادمين من الخارج تم تصميم باقة لرعاية ودعم الموظف الجديد، ومن ضمن تطور العمل في إدارة الموارد البشرية اعتمادها برنامجًا إلكترونيًا تحت مسمّى “نظام تخطيط الموارد المؤسسية”، يقوم بتنظيم جميع عمليات إدارة الموارد البشرية وتسهيل ومتابعة الحالة الشخصية للموظف، وتسريع إنجاز الخدمات المطلوبة من الموظف وأيضًا إصدار التقارير الدورية، التي تمكن الإدارة من تقييم عملها وتساعدها على تحديثه، وذلك بشكل آلي بعيد عن الحالة الورقية التي تخلّت عنها الغرفة منذ زمن طويل.

 

تجهيز الصف الثاني

واعتمدت غرفة الشرقية ـ منذ زمن ليس بالقليل ـ مبدأ الثقة بالموظف خاصة بعد أن يقضي مدة من الزمن في العمل والتنقل بين إدارات ومواقع وفروع الغرفة، وضمن نظرية تعاقب الأجيال التي هي سنة طبيعية في الحياة، حرصت على تجهيز الصف الثاني من القيادات، كخيار هو الأفضل والأكثر جدوى وتم ذلك من خلال هيكل تنظيمي ووظيفي يقدم وصفًا لمهام كل إدارة وشرحًا لكل وظيفة، ويحدد بكل دقة المواصفات والمتطلبات الوظيفية المطلوبة لكل مسمى وظيفي، وبموجب هذا الهيكل تمنح الغرفة موظفيها الثقة التامة، وتفتح أمامهم فرص التدرج الوظيفي إلى أعلى المناصب، لذلك فكل المناصب القيادية في الغرفة (الأمين، والمساعد، ومدير الإدارة، ورئيس القسم) يشغلها موظفون تدرجوا في سلّم الوظائف، في الغرفة.

 

لذلك نجد في سيرة غرفة الشرقية مبدأ التكليف الذي يتيح المجال للموظف العادي بأن يكون “مديرًا” ولو مؤقتًا، على أمل أن يأتي الوقت ويتحمّل المسؤولية هو بنفسه، إذ لن تكون ــ بموجب هذا المبدأ ـ صعبة أو غريبة، لوجود تجربة سابقة، هذا فضلًا عن أن العمل لا ينبغي أن يتوقف على شخص معين، بل هي مسيرة يمارسها الجميع، فهو نوع من التدريب على رأس العمل، وهو بخلاف البرامج التدريبية والتأهيلية المتنوعة التي تعقد طوال العام للموظفين، لتأهيلهم لمهام عمل أعلى، ومسؤوليات أكبر.