تقنية

الرقمنة.. اقتصاد العصر

بوابة ازدهار المستقبل..

الدول التي قطعت شوطًا نحو التحول الرقمي قبل جائحة كورونا هي الأفضل في تعاملها مع تداعيات الجائحة

حجم الاقتصاد الرقمي الصيني يصل إلى 39.2 تريليون يوان صيني (6.1 تريليون دولار) ما يمثل %39 من الناتج المحلي الإجمالي

من المتوقع أن يرتفع الاقتصاد الرقمي الاستهلاكي من 85 مليار دولار في عام2020م إلى 800 مليار دولار عام 2030م

زادت نسبة مستخدمي الإنترنت في العالم العربي من %8.3 عام 2005م إلى حوالي %55 في عام 2019م ليفوق المتوسط العالمي البالغ %52.4

سياسة الاقتصاد الرقمي للمملكة جاءت تأكيدًا على توجهات المملكة نحو الاقتصاد الرقمي وتشجع الاستثمار وتسرع ريادة التقنية المحلية

 

أدت التحولات المتسارعة في مجال التكنولوجيا والتقنيات الرقمية، إلى تأثر كافة القطاعات والمجالات بتلك التحولات، وعلى رأسها قطاع الاقتصاد بمجالاته المتشعبة، والذي بات يشهد خطوات كبيرة نحو التحول لاقتصاد رقمي”، بعد أن أصبح “الاقتصاد الرقمي” ضرورة لا غنى عنها لتنمية اقتصاديات الدول، وبعد أن أصبح العالم سوقًا إلكترونية تنافسية كبيرة.

ويُقصد بالاقتصاد الرقمي (Digital Economy)، الذي دَّونه كمفهوم اقتصادي في عام 1995م، مدير الأعمال والاستراتيجي الكندي “تابسكوت”، بأنه تصور عام لقطاع الأنشطة الاقتصادية ذات الصلة بالتقنية الرقمية، فهو النشاط الناتج عن الاتصالات اليومية عبر الإنترنت، ويعني تزايد الارتباط والترابط بين الأشخاص والمؤسسات والآلات وتكنولوجيا الهاتف المحمول وإنترنت الأشياء.

الشمول المالي

وبذلك يرتبط الاقتصاد الرقمي بوسائل استخدام تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، ويشمل معظم المعاملات، التي تتم ضمن ما أصبح يُعرف الآن بـ”الشمول المالي”، بما في ذلك إجراء العمليات المالية والمصرفية بصورة أكثر سهولة وسرعة، والتجارة الالكترونية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي والبيع بالتجزئة، وغيرها من الأنشطة والمجالات الاقتصادية ذات الصلة بالتقنية الرقمية.

وكان قد اعتبر البنك الدولي أن “تعميم الخدمات المالية مع تسهيل وصول جميع فئات المجتمع إليها تُعد ركيزة أساسية من أجل محاربة الفقر وتعزيز الرخاء المشترك”، وفي هذا الإطار، فقد تبنت مجموعة العشرين “الشمول المالي” كأحد الأهداف والمحاور الرئيسة في أجندة التنمية الاقتصادية والمالية، وكذلك أشار رئيس منتدى الاقتصاد العالمي “بورغه برنده”، إلى أن “الشمول المالي” بالتركيز على الاقتصاد الرقمي سيتيح فرصًا لتحقيق قفزة نوعية في مجال الاستدامة وفرص العمل، فيما أكدت المدير التنفيذي السابق لصندوق النقد الدولي “كريستالينا جورجيفا”، أن الرقمنة أصبحت أحد أبرز عوامل نمو الأسواق الناشئة حول العالم، كذلك، فإن الصين حققت تقدمًا كبيرًا في إعادة تشكيل اقتصادها بالارتكاز على التكنولوجيا.

الجائحة والرقمنة

وقد زادت أهمية ـ وربما حتمية ـ الاقتصاد الرقمي، في ظل جائحة كورونا، فمثلما أدت الجائحة إلى العديد من الآثار والتداعيات، فإنها كانت أحد أكبر الدوافع لدى الدول والحكومات في التحرك نحو إحداث نقلة واسعة في التحول نحو الاقتصاد الرقمي، ومثلما كانت جائحة كورونا أحد أهم العوامل نحو توجه الحكومات لتسريع وتيرة الخدمات الإلكترونية، والتحول إلى الاقتصاد الرقمي، فإنها كانت دافعًا أيضًا للأفراد لاستخدام الخدمات الإلكترونية، ومن ثم ازدهار التجارة الإلكترونية للسلع والخدمات وزيادة مساهمة الاقتصاد الرقمي في الاقتصاد بشكل عام، ومن أبرز العوامل، التي دفعت إلى ذلك، ما يلي:

  • الصعوبات الخاصة بالتسوق، وصعوبات حصول المواطنين على السلع والخدمات الأساسية، بالطرق التقليدية.
  • الحظر الإجباري، الذي تم فرضه من قبل العديد من الدول على مواطنيها.
  • سرعة المعاملات الإلكترونية وتوفير الوقت وانخفاض تكلفة الخدمة والمنتج.
  • زيادة نسبة التعليم والوعي بالتزامن مع زيادة استخدام أجهزة الجوال.
  • تشجيع الحكومات للقطاع الخاص وللمواطنين في التوجه نحو الخدمات الإلكترونية، وهو التشجيع الذي تم ترجمته في شكل استراتيجيات وخطط ومبادرات تحفيزية.

 

بورغه برنده
رئيس منتدى الاقتصاد العالمي

الشمول المالي يتيح فرصًا لتحقيق قفزة في مجال الاستدامة وفرص العمل

مواكبة المتغيرات

واتخذت مختلف الدول العديد من السياسات الرامية إلى تحقيق الشمول المالي، وخفض استخدام أوراق النقد خارج القطاع المصرفي، ودعم استخدام القنوات الإلكترونية في الدفع وتطوير نظم الدفع وتحصيل المستحقات المالية الحكومية إلكترونيًا.

ويمكن معرفة أثر الجائحة في التحول نحو الاقتصاد الرقمي، في ظل ما شاهدناه من قيام الحكومات والمؤسسات بدفع الموظفين للعمل من المنزل، والتقليل من تواجدهم في مقرات العمل إلى أقصى قدر ممكن، وعقد اجتماعات العمل الافتراضية والتعلم والتدريب عن بعد.

وحاولت العديد من دول العالم مواكبة المتغيرات في عصر الجائحة، بتسريع عملية التحول الرقمي، وفي هذا الصدد، تعهد رئيس الوزراء الياباني “فوميو كيشيدا”، بدفع بلاده باتجاه التحول الرقمي بصورة أكبر، موضحًا أن جائحة كورونا خلقت “فرصة” لليابان للترويج للرقمنة، وهو ما سيدفعها لتعزيز البنية التحتية، وخاصة كابلات قاع البحر وشبكات الألياف الضوئية، بالإضافة إلى بناء مراكز بيانات في شتى أرجاء البلاد للتعامل مع زيادة حجم البيانات.

سرعة التعافي

وكان واضحًا أن الدول التي قطعت شوطًا نحو التحول الرقمي قبل جائحة كورونا هي الأفضل في تعاملها مع تداعيات الجائحة، كما أن الاقتصاد الرقمي، تزداد أهميته في كونه يمكن أن يسهم في سرعة تعافي الاقتصاد العالمي من الجائحة، الأمر الذي يتطلب من الدول والحكومات المختلفة وضع التشريعات التي تنظم الاقتصاد الرقمي، دعم وتشجع الاستثمارات الخاصة، في مجال التقنيات والشركات الناشئة.

وأظهرت الجائحة أيضًا أهمية الاقتصاد الرقمي في تعزيز النمو الاقتصادي وتحقيق التنمية المستدامة، من خلال زيادة نسبة مساهمة خدمات وسلع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في مجموع التجارة والقيمة المضافة على المستوى العالمي.

كريستالينا جورجيفا
المدير التنفيذي السابق لصندوق النقد الدولي

الرقمنة أحد أبرز عوامل نمو الأسواق الناشئة حول العالم

نمو متسارع

وكشف تقرير صادر عن الأمم المتحدة تحت عنوان “الاقتصاد الرقمي2019م النمو السريع للاقتصاد الرقمي، والذي يعادل ما بين %4.5 و%15.5 من إجمالي الناتج المحلي للعالم.

وعلى سبيل المثال، فقد وصل حجم الاقتصاد الرقمي الصيني في عام 2020م إلى 39.2 تريليون يوان صيني (حوالي 6.1 تريليون دولار)، وهو ما يمثل حوالي %39 من الناتج المحلي الإجمالي، فيما بلغ حجم صفقات التجارة الإلكترونية المسجلة في الصين حوالي 37.2 تريليون يوان.

ووفقًا لبعض التقديرات والدراسات، فإنه من المتوقع أن %70 من القيمة الجديدة المضافة للاقتصاد العالمي سوف تستند إلى نماذج عمل لمنصات رقمية خلال الأعوام المقبلة.

ونتيجةً للتحول الرقمي المتسارع في قطاعات السياحة وخدمات الطعام والشراب، فضلاً عن التعليم، فإنه من المتوقع أن يرتفع الاقتصاد الرقمي الاستهلاكي من 85 مليار دولار في عام 2020م إلى 800 مليار دولار عام 2030م، فيما سيرتفع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحديدًا بأكثر من الضعف من حوالي 40 إلى 45 مليار دولار عام 2020م إلى 100 مليار دولار عام 2023م.

فوميو كيشيدا
رئيس الوزراء الياباني

جائحة كورونا خلقت فرصًا للترويج للرقمنة وأن الاتجاه اليوم هو للتحول الرقمي بصورة أكبر

تحرير أسواق الاتصالات

وقامت مختلف الدول العربية بخطوات كبيرة في إطار التحول نحو الاقتصاد الرقمي، كان على رأسها تحرير أسواق الاتصالات ودعم خدمات الهاتف الجوال، حيث أدى ذلك إلى زيادة عدد المشتركين في الخدمات الإلكترونية، كما زادت نسبة مستخدمي الإنترنت من %8.3 عام 2005م إلى حوالي %55 في عام 2019م ليفوق المتوسط العالمي البالغ %52.4.

وتقاس المساهمة الاقتصادية للاقتصاد الرقمي، من خلال قياس نسبة مساهمة سلع وخدمات قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات في التجارة الدولية، حيث بلغت عام 2019 حوالي %12.5 على المستوى العالمي من إجمالي التجارة الدولية، في حين أنها تمثل %3.8 فقط في الدول العربية من إجمالي تجارتها الدولية.

المهندس عبدالله السواحه
وزير الاتصالات وتقنية المعلومات

التحول الرقمي ركن أساس من أركان قوة الاقتصاد ومتانته، وأن ازدهار المستقبل مرتبط بالاقتصاد الرقمي

الصادرات عالية التقنية

وفيما يتعلق بمساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية، فقد وصلت النسبة في الأردن إلى حوالي %12.2 عام 2019م، تليها كل من الإمارات والبحرين بنسبة %8، ثم الكويت %5 ومصر %4.4.

ومن المؤشرات المهمة أيضًا لقياس تطور الاقتصاد الرقمي، مساهمة الصادرات عالية التقنية من مجمل الصادرات السلعية، حيث تتصدر الإمارات والسعودية والكويت ومصر البلدان العربية بنسب %13.6 و%9.6 و%9.5 و%9.4 على التوالي.

سياسة الاقتصاد الرقمي

في إطار سعى المملكة العربية السعودية للانتقال من كونها ضمن أكبر 20 اقتصادًا في العالم، لتصبح ضمن أكبر 15 اقتصادًا ورفع نسبة الصادرات غير النفطية من %16 إلى %50 من إجمالي الناتج المحلي غير النفطي، فإن المملكة تدرك أن التحول نحو الاقتصاد الرقمي يُعد أحد أهم متطلبات تعزيز قدرات القطاعات غير النفطية، الأمر الذي جعلها تستهدف زيادة نسبة مساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي، على غرار العديد من الاقتصادات العالمية المتقدمة.

ففي ديسمبر 2020م وافق مجلس الوزراء السعودي على سياسة الاقتصاد الرقمي في المملكة، وهو ما اعتبره وزير الاتصالات وتقنية المعلومات رئيس اللجنة الوطنية للتحول الرقمي، المهندس “عبدالله بن عامر السواحه” تأكيدًا على توجهات المملكة نحو الاقتصاد الرقمي، وتشجيع الاستثمار وتسريع الريادة التقنية المحلية، وتدشين الشراكات الدولية القائمة على نقل الخبرة والتعاون في مجال الابتكار والتحول التقني والرقمي.

كما اعتبر وزير الاتصالات أن التحول الرقمي “ركن أساس من أركان قوة الاقتصاد ومتانته”، وأن “ازدهار المستقبل مرتبط بالاقتصاد الرقمي”، وهو الأمر الذي يتطلب “العمل بشكل وثيق مع القطاع الخاص، ورواد الأعمال لدعمهم في هذه المرحلة”.

سبعة مبادئ

وبشكل عام، فإن سياسة الاقتصاد الرقمي في المملكة باتت ترتكز على سبعة مبادئ أساسية لتنمية بيئة رقمية استثمارية جاذبة، وهي:

  • الوصول: بمعنى تطوير البنية التحتية الرقمية والبيانات والمنصات الرقمي لضمان “الوصول” إلى انترنت عالي الجودة والسرعة وبأسعار مناسبة.
  • التقنيات: تفعيل استخدام التقنيات لتسهيل حياة الإنسان وتوظيف استخدام التقنيات الرقمية لزيادة الإنتاجية والتنافسية في العمل، وتحفيز الطلب عليها مع التركيز على رفع نسبة المنتجات والخدمات التقنية المحلية.
  • الابتكار: تسخير حلول الابتكار المختلفة لدعم المجتمع المدني، ولتعزيز التحول الرقمي في جميع القطاعات، وتشجيع ودعم مبادرات الابتكار في مجال البيانات والتقنيات.
  • رأس المال البشري: بحيث يساهم الاقتصاد الرقمي في إيجاد وظائف ذات قيمة وإنتاجية عالية، وتحسين أساليب وظروف العمل وتشجيع الكوادر الوطنية للريادة في العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات.
  • الرخاء الاجتماعي والشمول: تسخير التقنيات الرقمية، من أجل تحسين مستوى المعيشة، وتحقيق الرفاهية الاجتماعية وتحسين مؤشرات جودة الحياة، ونشر الثقافة الرقمية وتوفير فرص تعليمية متكافئة، لضمان إشراك فئات المجتمع في الاقتصاد الرقمي.
  • الثقة: توفير بيئة رقمية آمنة وموثوقة، من خلال تطوير الأنظمة واللوائح المتعلقة بالأمن السيبراني وتحقيق الشفافية في التعاملات الرقمية، لتشجيع الأفراد والجهات الحكومية وقطاع الأعمال على الدخول في الرقمنة.
  • انفتاح السوق: إيجاد بيئة تنافسية وتطوير الأنظمة واللوائح، وفتح الأسواق لتعزيز الاقتصاد الرقمي، بما يتوافق مع أنظمة المملكة، لتصبح الوجهة الأولى للاستثمارات الرقمية في المنطقة، وتمكين تطبيقات التجارة الإلكترونية وزيادة ثقة المستهلكين بتعاملاتها، مع تسهيل عمل المنشآت الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال في المجالات الرقمية وتذليل الصعوبات، التي تواجههم.

متطلبات ضرورية

ولاشك أن هناك العديد من المتطلبات الضرورية من أجل تطبيق التحول نحو الاقتصاد الرقمي، منها تهيئة البيئة التشريعية، وكذلك دعم البنية التحتية، وخاصة الرقمية، وزيادة المنصات الرقمية وميكنة الخدمات وإدخال الابتكار والسياسات الذكية، ورفع مستوى الشركات المتوسطة والصغيرة، وتحسين القدرة التنافسية في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وكذلك تهيئة بيئة مواتية، لجذب استثمارات القطاع الخاص، وللشراكة الرشيدة والرائدة بين القطاعين العام والخاص، مع إعادة تنظيم استراتيجيات الاقتصاد الرقمي، لتكون مناسبة للبيئة المحلية ومتطلباتها واحتياجاتها.

ويتطلب التحول أيضًا تجهيزات وإمكانيات معينة تساعد على التحول من طريقة العمل التقليدية إلى النمط الجديد للعمل عن بعد، الذي فرضته تحديات الجائحة، ويشمل ذلك استحداث العديد من الوسائل الإلكترونية، وبرامج التواصل وآليات الاجتماع عن بعد.

التحديات والمخاطر

وعلى الرغم من المساهمة الكبيرة للاقتصاد الرقمي في تطور ونمو الاقتصاد العالمي، لكن يرى خبراء الاقتصاد العالميين بأن يجب الانتباه إلى العديد من التحديات والمخاطر، التي تطرأ نتيجة التحول نحو الاقتصاد الرقمي، ومحاولة التقليل من أضرارها وآثارها السلبية، وعلى رأس ذلك، القرصنة الإلكترونية والاحتيال المالي والسرقات الإلكترونية للأموال والمعلومات وانتهاك الخصوصية وانتشار التلاعب في أسعار السلع الاستهلاكية، عبر التقنيات والمنصات الإلكترونية التسويقية الخادعة والمضللة، الأمر الذي يفرض مزيدًا من الرقابة المالية، تتزامن مع التحول نحو الاقتصاد الرقمي، وتفعيل سلطات وآليات حماية المستهلك على المستوى الوطني، وتبادل المعلومات والخبرات والممارسات على المستوى الإقليمي والدولي.

 

جَمَعَ مجتمع التكنولوجيا العالمي تحت سقف واحد

مؤتمر “LEAP” حدثٌ استثنائيٌ أظهر ريادة المملكــة الرقمية

جَمَعَ مجتمع التكنولوجيا العالمي تحت سقف واحد، اعتبره رواد التقنية حدثًا استثنائيًا ومنصة عالمية أظهرت مكانة المملكة في الريادة الرقمية والتوجهات المستقبلية في القطاعات الواعدة المرتبطة بالحلول الابتكارية الرامية إلى خلق بيئة تقنية بمقاييس ومواصفات عالمية، إنه مؤتمر (LEAP) التقني العالمي، الذي عُقد في الرياض على مدار 3 أيام تحت شعار “عين على المستقبل”، وشارك فيه ما يزيد عن 700 جهة عارضة و1500 شركة ناشئة، وشهد حضورًا كبيرًا من المختصين بالتقنية وممثلين لما يزيد على 80 دولة حول العالم، وأسفر عن استثماراتٍ تزيد عن 6.4 مليار دولار لدعم ريادة أعمال التقنية وتعزيز مكانة المملكة كأكبر سوق رقمي في المنطقة بقيمة 40 مليار دولار.

إعادة توجيه العالم

وحقق المؤتمر نجاحًا كبيرًا ليتفوّق على معارض الإلكترونيات الاستهلاكية في العالم، وهو ما قاله نائب الرئيس التنفيذي الإقليمي لشركة (إنفورما) في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، مايكل تشامبيون، “إن مؤتمر (LEAP) حقق نجاحًا كبيرًا ونجح في تحقيق رقمٍ قياسي لأكبر عدد من الحاضرين إلى منصة تقنية في العالم، وفي استقطاب الأسماء الأبرز في قطاع التقنية إلى المملكة، فضلاً عن الشركات الناشئة الأكثر تميزًا والمبدعين الذين قدّموا ابتكاراتهم المتطورة التي من شأنها إعادة توجيه العالم.

نجاح ساحق

وكان معالي وزير الاتصالات وتقنية المعلومات ورئيس مجلس إدارة مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، عبدالله بن عامر السواحة، قد أعلن عن توجيه سمو ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، بإقامة مؤتمر ومعرض (LEAP) سنويًا في المملكة، قائلاً: “بعد النجاح الساحق للمؤتمر بدعم وتوجيه من سمو ولي العهد الذي جعل المملكة العاصمة التقنية والرقمية للمنطقة بدون منازع، وجه سموه بأن يكون (LEAP) مؤتمرًا سنويًا. نراكم في 2023م”.

ثلاثة أضعاف

وشهد المؤتمر الإعلان عن إغلاق الصندوق الاستثماري الأول “إمكان” لرأس المال المغامر بقيمة تتجاوز الـ 187 مليون ريال، وإطلاق “يونيفونيك إكس” بشراكة سعودية لبناء الشركات الناشئة، والإعلان كذلك عن جائزة بقيمة مليون دولار للفائزين في مسابقة “روكيت فويل” الدولية للشركات الناشئة، والإعلان عن إطلاق برنامج “إي جنيت” باستثمارات قرابة الـ 1.1 مليار دولار بهدف مضاعفة حجم سوق المحتوى الرقمي في المملكة إلى ثلاثة أضعاف، ويأتي هذا البرنامج ضمن خطط االمملكة لتصبح اقتصادًا رقميًا دوليًا رائدًا.

استثمارات متعددة

كما شهد المؤتمر الإعلان عن استثمارات متعددة وصناديق استثمارية داعمة للشركات الناشئة ورواد الأعمال بأكثر من مليار ريال (266 مليون دولار)، بواقع الإعلان عن الإغلاق الثاني لصندوق “خوارزمي فينتشرز” بقيمة 262 مليون ريال.

ووقّعت خلال المؤتمر شركة الاتصالات السعودية ما يزيد على 15 اتفاقية مع كبرى الشركات العالمية، من أبرزها “مايكروسوفت” و”هـــــــواوي” و”أريـكـســـــــون” و”سـيـسـكــــــو”، بالإضافة إلى عدد من الاتفاقيات مع بعض الجهات الحكومية، وأعلنت عن مبادرة إنشاء مركز رقمي رئيسي (MEAN Hub) لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا باستثمارات بلغت قيمته مليار دولار.

توطين مراكز البيانات

وأشارت الاتصالات السعودية إلى عزمها إنشاء شركة متخصصة في خدمات الاستضافة بمراكز البيانات والربط الإقليمي والدولي، برأس مال قدره 100 مليون ريال (26.6 مليون دولار)، وأعلنت عن مبادرة لإنشاء مصنع لتوطين مراكز البيانات في المملكة بالشراكة مع شركة “هواوي” الصينية، كما تعاونت مع إريكسون لدعم الشبكة الأساسية من الجيل الخامس وأنظمة دعم الأعمال لتعزيز شبكات الجيل الخامس المستقلة، بالإضافة إلى توقيع اتفاقية مع شركة مايكروسوفت العربية لتطوير مجالات الابتكار واستراتيجيات التقنيات السحابية وحلول الجيل الخامس.

مبرمج من كل 100 سعودي

وأسهمت فعاليات (LEAP) في تخريج 1000 شاب وفتاة من “معسكر طويق 1000” الهادفة إلى تعزيز القدرات الرقمية والكفاءات المستقبلية وتحقيق هدف “مبرمج من كل 100 سعودي” بحلول عام 2030م، وتشجيع الابتكار والإبداع وتحقيق الريادة العالمية.

وقد مثَّل المؤتمر منصة عالمية وحدثًا استثنائيًا استضاف خبراء التقنيات المستقبلية والتقنيات المميزة الواعدة من جميع أنحاء العالم، الذين أجمعوا على أن “الريادة الرقمية وجهة المستقبل”، مؤكدين على دور المملكة ومساعيها لتحقيق مستهدفات رؤيتها 2030م، لاسيما أن المؤتمر سلّط الضوء على مستقبل التقنيات ودورها في ازدهار البشر عبر إيجاد حلول ابتكارية لأبرز التحديات التي تواجهها.

الاقتصاد الإبداعي

ولم تخلو فعاليات المؤتمر من إيجاد حلول لتحديات التقنية في مختلف القطاعات الاقتصادية؛ إذ حضرت قطاعات التعليم والطب والصناعة بين أطروحات المتحدثين، فمن جانب أكدوا أن تقنيات الرعاية الصحية تدعم تحسين جودة الحياة وزيادة متوسط العمر عبر توظيف “الروبوت” في خدمة الإنسان، ومن جانب آخر استعرضوا التقنيات المعزّزة لكلٍّ من الأمن الغذائي والمائي في المنطقة، وكذلك أثرها على مستقبل التعليم الذي حمل طابعًا مغايرًا، عبر أبرز ما توصلت إليه التقنيات في القطاع إلى جانب مناقشة الاقتصاد الإبداعي، والكشف عن تقنيات من شأنها تعزز تنمية ورفاهية المجتمعات، وربطها بمستقبل الطاقة التي بات مرتبطًا بأحدث التقنيات حيث تسهم في تطوير مصادر الطاقة، وهذا ما ينطبق على مستقبل التقنيات المالية والثورة الصناعية الرابعة والمدن الذكية وكيفية بناء مدن المستقبل من خلال عرض تجارب مُستقاة من تجارب عالمية.

مزاد جديد للترددات المتاحة

وتوصّل المشاركون إلى ما سيحدثه (LEAP) الذي أخذ على عاتقه تبنّي التقنيات الرقمية الحديثة كالواقع الافتراضي والواقع المعزز وإنترنت الأشياء بما يعزّز من عوائد الاقتصاد الرقمي ويدعم الاستثمار في التقنيات اللاسلكية الناشئة، بيد أنه من المتوقع أن تتضاعف إسهامات تقنيات الـ “واي فاي” في الناتج المحلي للمملكة بأكثر من أربعة أضعاف، وذلك من 4.7 مليار دولار في العام 2021م إلى أكثر من 18 مليار دولار بحلول العام 2030م، فضلًا عن عزمها عقد مزاد جديد للترددات المتاحة لشبكات الجيل الخامس والاتصالات المتنقلة.

جهود رقمية متواصلة

واستكمالًا لدور المملكة وجهودها الرقمية المتواصلة، فإنها تسعى إلى تبّني شبكات المستقبل المعتمدة على تقنيات ومكونات أرضية وفضائية متداخلة كتقنية الــ “LEO Satellite”، بما يكفل انتشار التغطية بموثوقية لمستخدمي تقنيات الاتصالات المختلفة في مختلف أنحاء المملكة، ما يعزِّز استفادة المملكة من اقتصاد الفضاء وتكامله مع الاقتصاد الرقمي، حيث بلغ حجم سوق الفضاء العالمي في العام 2020م (341) مليار دولار، ومن المتوقع نموه إلى (576) مليار دولار بحلول العام 2030م.

وقود التقدم التقني

وقالت المهندسة في علم البرمجيات، سيناء العمران، إن مؤتمر (LEAP) بمثابة “حراك تقني” عمل على ربط التنمية بالتقنية، عبر أدوات محرّكة وبعقول مبدعة، وأضافت بأن المؤتمر هو استكمال لجهود المملكة ومساعيها الحثيثة في خلق منظومة متكاملة من التحول الرقمي، الذي يرتبط بصور رئيسية بالاقتصاد الإبداعي، الذي يمكننا من زيادة فرص العمل وتغير توجهات التعليم، بوصفه وقود التقدم التقني والتنّوع الاستثماري، وأشارت إلى ما يمكن أن يفرزه التحّول الرقمي في القطاعات كافة -بحسب جلسات المؤتمر- سواء في الصحة والتعليم والاستثمار وكل ما من شأنه التداخل بحياة البشر ويؤثر على المجتمع بكافة تفاصيله.

مركز إقليمي رقمي

وكان المؤتمر قد قدّم جملة حلول مبتكرة، حيث أتاح لجميع المفكرين والمهتمين في الشأن التقني، إمكانية التغير والتطور وتزويد القطاع، بكل ما يحقق نقلة نوعية ذات أثر وتأثير، ما يعزز ريادة المملكة في الإقليم والعالم كمركز رقمي إقليمي، إذ رسّخ مكانتها كقلب للعالمين العربي والإسلامي للابتكار، ومحورًا لربط القارات الثلاث (آسيا، أفريقيا، أوروبا)؛ إذ أعلنت خلال المؤتمر “تريند مايكرو” الرائدة في مجال الأمن السيبراني عن تدشين مقرّها الإقليمي في الرياض، باستثمارات بلغت نحو 50 مليون دولار، وكذلك شركة “جيه آند تي أكسبريس جروب” إحدى شركات الخدمات اللوجستية الأسرع نموًا في العالم، واختارت شركة “أبل” الأمريكية الرياض لتصبح مقرًا رئيسيًا لأكاديمية “مطورات أبل” الأولى في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.