الحدث

IPTC : ثلاثة ركائز تضمن مناعة عالم الطاقة

الهبوط الحاد في الاستثمار بالبترول والغاز يهدد أمن الطاقة، وثمة خطر فعلي إذا العالم لم يستطع إنتاج كل الطاقة التي يحتاجها لتعزيز التعافي

ثمة خطط حذرة وموزونة لإعادة الإمدادات لأجل تلبية الاحتياجات المتزايدة للاقتصاد العالمي الآخذ في التعافي

تحّوّل الطاقة في تسارع، ولكن التركيز على عناصر معينة فقط من هذا التحوّل مثل الطاقة المتجددة أو البديلة سيكون خطأ آخر فادحًا

انعقاد هذه النسخة من المؤتمر في الرياض يحمل دلالات مهمة لاسيّما أثناء هذه المرحلة التي يعيش فيها قطاع الطاقة بالمملكة تحوّلاً جوهريًا

دعا المؤتمر الدولي لتقنية البترول (IPTC) إلى تعزيز التعافي العالمي وفقًا لمسارات الطاقة المستدامة، وشدَّد على أهمية بناء المرونة والقدرة على الاستجابة والتعافي مع ما ينتج من تغييرات تشهدها صناعة البترول وأسواقه عالميًا، وسلَّط المؤتمر، الذي انطلق برعاية ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، الضوء على أحدث ما جاءت به تقنيات الثورة الصناعية الرابعة، وناقش المخاطر التي قد تنتج من قلة الاستثمارات في قطاعي النفط والغاز، ومسارات وأساليب التعامل مع الحراك شبه المستمر الذي تشهده الأسواق العالمية، فضلاً عن استعراضه لأبرز حلول التقنية التي تستكشفها الشركات لمعالجة الانبعاثات الكربونية، وتطرّق إلى موضوعات عدة ذات العلاقة بالشأن الاقتصاد الدائري للكربون والسياسات والتشريعات المتعلقة به.

800 ورقة علمية

وكان المؤتمر، الذي يُعقد منذ عام 2005م للحوار حوار التقنيات والقضايا الرئيسة التي تواجه المتخصصين في قطاع الطاقة في جميع أنحاء العالم، قد انطلق في العاصمة الرياض أواخر الشهر الماضي واستمر لمدة ثلاثة أيام متتالية، وشارك فيه وزراء وخبراء ومهتمون من 70 دولة حول العالم، وأكثر من 300 شركة عالمية، وتضمن نحو107 من جلسات التقنية التي قدّمت خلالها أكثر من 800 ورقة علمية تناولت وجهات النظر  المشتركة والمتبادلة حول أحدث التطوّرات والاتجاهات في مجالات الطاقة والتقنيات الحالية والناشئة التي ستشكل مستقبل قطاع الطاقة.

تحولات جوهرية

ويحمل انعقاد هذه النسخة خصيصًا من مؤتمر تقنية البترول في الرياض، دلالات مهمة لاسيما أثناء هذه المرحلة التي يعيش فيها قطاع الطاقة بالمملكة تحولاً جوهريًا، حيث إطلاق العديد من البرامج في إطار تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030م، وكذلك حزم من المبادرات التي تركز على تنويع مزيج الطاقة الوطني، وتعزيز الاستثمار في الطاقة المتجددة، وبرامج متنوعة مثل استدامة الطلب على البترول، والاقتصاد الدائري للكربون، وإنتاج الهيدروجين، وترشيد وكفاءة الطاقة، واستثمار الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة، بالإضافة إلى تنفيذ مشروعاتٍ عملاقة في مجالات البترول والغاز لمقابلة الطلب العالمي، وتعزيز أمن الطاقة.

الركائز الثلاث

ومن جانبه، أكد صاحب السمو الملكي الأمير عبد العزيز بن سلمان بن عبدالعزيز، وزير الطاقة، خلال افتتاحه للمؤتمر نيابة عن ولي العهد، صاحب السمو الملكي، الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، على مساعي المملكة المستمرة لضمان مناعة ركائز عالم الطاقة الثلاث، وهي: (أمن إمدادات الطاقة الضرورية، والتنمية الاقتصادية المستمرة من خلال توفير مصادر طاقة موثوقة، ومواجهة التغير المناخي)، معتبرًا أن هذه الركائز الثلاث يجب مراعاتها دون تضحية بواحدة من أجل أخرى.

إنجاز غير مسبوق

ونوه سموه، بدور منظمة أوبك والدول المنتجة من خارجها (أوبك بلس) في تحقيق إنجاز غير مسبوق في أسواق الطاقة العالمية، وذلك من خلال اجتماعها في بداية عام 2020م، الذي شهد نموذجا مميزا للتعاون والعمل المشترك وذلك بتنظيم أكبر تخفيض للإمدادات في التاريخ، قائلاً: “كان هذا الإنجاز ناجحًا في تحقيق هدفه، فتوقف بذلك الهبوط الخطير وغير المسبوق في أسواق الطاقة العالمية، ومنذ صيف العام الماضي وضعنا خطة حذرة موزونة لإعادة الإمدادات لتلبية الاحتياجات المتزايدة للاقتصاد العالمي الآخذ في التعافي، ووتيرة تكرار اجتماعات (أوبك بلس) تُظهر التزامها بإدارة الأحداث الديناميكية وغير المتوقعة بشفافية”.

مخاطر فعلية

وحذَّر وزير الطاقة من أن الهبوط الحاد في الاستثمار بالبترول والغاز يهدد أمن الطاقة، وأن ثمة خطرًا فعليًا إذا العالم لم يستطع إنتاج كل الطاقة التي يحتاجها لتعزيز التعافي، قائلاً: “فاقم ذلك حالة عدم اليقين والإشارات المتناقضة في صنع السياسات في بعض أنحاء العالم، وهذا النقص في الاستثمار يضر مصلحة مستهلكي الطاقة، ويخلق تحديات لصانعي السياسات برفعه للأسعار وزيادته للمخاوف المتعلقة بشح الإمدادات”، مبينًا أن الحملة ضد الاستثمارات الجديدة في البترول والغاز لها نظرة قصيرة المدى، بل إن آثارها السلبية في تعافي الاقتصاد العالمي ورفاهية الأسر قد بدأت بالظهور، وأنه لهذا السبب فنحن في المملكة مستمرون في الاستثمار في البترول والغاز النظيفين وتوسيع قدرتنا الإنتاجية.

خيارات الطاقة

وفيما يتعلق بالاستدامة، قال إنها نتيجة طبيعية لإطار عمل الاقتصاد الدائري للكربون الذي تدعو له المملكة، مؤكدًا أن تحوّل الطاقة في تسارع، ولكن التركيز على عناصر معينة فقط من هذا التحوّل مثل الطاقة المتجددة أو البديلة سيكون خطًأ آخر فادحًا، وأوضح أن أمن الطاقة يتطلب أن يستمر العالم في استخدام جميع خيارات الطاقة، بما فيها الموارد الهيدروكربونية التي دفعت التنمية الاقتصادية على مدى قرون، ولكن يكمن في قلب هذه الاستراتيجية تحدٍّ يتعلق بكيفية إمدادات الوقود الهيدروكربوني والحد في الوقت ذاته من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، لافتًا إلى أن التقنية ركيزة أساسية لمواجهة هذا التحدي.

وجدَّد سموه التأكيد على أن التقنية الابتكارية ستكون أساسية في تنفيذ مبادرة “السعودية الخضراء” التي تطمح إلى توليد نصف احتياج الكهرباء المحلي من الطاقة المتجددة بحلول 2030م والوصول إلى الحياد الصفري لانبعاثات الكربون بحلول عام 2060م.

قطاع متقلب

ومن جهته، قال وزير النفط الكويتي، الدكتور محمد عبداللطيف الفارس، إن قصة أوبك وأوبك بلس، نأمل أن تنتهي هذا العام، ويجب أن يكون لديها اتفاق للتعاون الذي يجب تنفيذه من خلال اتخاذ المنهج الصحيح في كيفية التنسيق بيننا في هذا القطاع المتقلّب.

وأضاف الفارس أن توازن العرض والطلب واحتياج السوق والاقتصاد يتم تلبيته، وسنحترم اتفاقية أوبك وأوبك بلس، وهنالك آلية للوصول إلى اتفاق، وسنظهر للعالم أن بإمكاننا أن نضمن ردة الفعل، ولدينا آلية ستحدد بوضوح كيف لنا أن نتعامل مع السوق على أساس شهري، مؤكدًا أن الرياض والمنطقة بأكملها يقومون الآن بوضع رأس المال للتحوّل في الطاقة واستخدامه بالطريقة المثلى في العام المقبل.

وبيّن أن لدى الحكومة الكويتية كفاءة عالية من خلال وضع الأهداف والسياسات المنسجمة مع المنطقة في هذا الاتجاه، وتركز على اقتصاد الكربون الدائري لتقليل الانبعاثات الكربونية لتصل إلى صفر كربون في عام 2025م وسيتم تطويره بطريقة مستدامة لتحقيق الأهداف في قطاع الصناعة النفطية.

الاتفاق الحالي

فيما أكد وزير النفط العراقي إحسان إسماعيل، ضرورة التزام أوبك بلس بالاتفاق الحالي لمصلحة سوق الطاقة، مع المناقشات الحالية المتعددة الأطراف، متناولاً كيفية إحداث توازن في السوق بين العرض والطلب، وتجنب أي مفاجآت بالمستقبل بما يصب في مصلحة الجميع.

وبيّن أن العراق، يمر بمرحلة تحول استراتيجية، ويعتمد هذا الأمر على تحويل جميع محطات توليد الطاقة للحصول على ما يقرب من 33 جيجا وات، والحصول على بقية الطاقة من الطاقة الشمسية والوقود الأحفوري، مبينًا أن العراق عقد اتفاقيات مع شركات عالمية لتوليد الطاقة الشمسية، ووضعت الحكومة خطة استراتيجية وخصصت أموالاً من الموازنة العامة تحقيقًا لذلك.

سوق الهيدروجين

وبدوره، أكد وزير الطاقة والبنية التحتية في دولة الإمارات العربية المتحدة سهيل محمد المزروعي أن الهيدروجين سيكون سوقًا واعدًا وجاذبًا، وتستهدف الإمارات أن تكون جزءًا من هذا المستقبل، ولديها مشاريع في نحو 40 دولة حول العالم.

وبين أن هذا المؤتمر، يعمل على تشجيع الشباب ليركزوا على الهيدروجين من خلال الصناعات البترولية بالإضافة إلى الهيدروجين الأزرق، مشيرًا إلى أنه إذا وضعت الاستثمارات بالطريقة الصحيحة يسهم ذلك في الوصول إلى الابتكار.

سياسات جيدة

وقال وزير البترول والثروة المعدنية المصري طارق الملا: “نحن لسنا أعضاء في أوبك أو أوبك بلس، ولكننا دولة نراقب وقد رأينا حتى الآن سياسات جيدة، وأن تحالف أوبك وأوبك بلس ناجح”، مشيدًا بالجهود والمبادرات التي قدمتها المملكة خلال الفترة الماضية، المتمثلة في مبادرة “السعودية الخضراء” ومبادرة مستقبل الاستثمار والمؤتمر الدولي للتعدين.

إنقاذ سوق البترول

من جانبه، أشاد وزير النفط البحريني الشيخ محمد بن خليفة آل خليفة بمبادرة الشرق الأوسط الأخضر، التي تجعل المنطقة آمنة، وتخفض من الانبعاثات الكربونية، منوّهًا بالدور الكبير الذي قام به صاحب السمو الملكي الأمير عبد العزيز بن سلمان وزير الطاقة، في قيادته لجهود أوبك بلس، وإنقاذ سوق البترول العالمية من الهاوية.

مصنع للأفكار

فيما أكد رئيس مجلس إدارة شركة أرامكو السعودية ومحافظ صندوق الاستثمارات العامة، ياسر بن عثمان الرميان، على أهمية تأسيس صناعة تقوم على حل المشاكل وتقدم حلولاً يحتاجها العالم، وأشار إلى أن العالم خلال الفترة الماضية عانى من أثر جائحة فيروس كورونا، وتعلّم من خلالها المثابرة والصمود من تلك التداعيات، مفيدًا أن الوقت الحالي يشهد العالم مرحلة التعافي من الجائحة، مشيدًا بما تقوم به أرامكو السعودية من جهود في التقليل من الانبعاثات الكربونية والوصول إلى صفر من تلك الانبعاثات، وكذلك بجهود الموظفين الذين لديهم العديد من الابتكارات في الكثير من المجالات، ومنها التقنية مما يجعلها مصنعًا للأفكار.

ونوّه بأن أرامكو السعودية، تهتم بالذكاء الصناعي لمنشآتها، ولديها مراكز بحثية تتعلق باستغلال التخزين والمشاريع التي يمكن أن تقلل من غاز ثاني أكسيد الكربون ومن انبعاثاتها التي تساوى أكثر من عشرات الملايين، كما تعمل على تطوير التقنية المتعلقة بتقليل الانبعاثات الكربونية، وتهتم بتقنية النانو التي تلعب دورًا مهمًا في خفض التكاليف، مفيدًا بأن لدى أرامكو  في الاستثمار على المدى الطويل، وتتطلع أن تكون لديها استخدامات جديدة للنفط والغاز من خلال الموارد الكثيرة، ومن خلال المخزونات التي تمتلكها، بهدف أن تكون الرائدة فيما يتعلق بالاقتصاد الهيدروكربوني.

استدامة الطاقة

وبدوره أكد النائب الأعلى للرئيس للتنقيب والإنتاج في أرامكو السعودية ومدير اللجنة المنظمة للمؤتمر الدولي لتقنية البترول، ناصر النعيمي، أن تقنية البترول تواجه العديد من التحديات، حيث إن جائحة كورونا عملت على تغيير اقتصاد العالم، وأتاحت العديد من الفرص للعمل على تعافي الاقتصاد من الجائحة، مبينًا أن العالم يحتاج إلى الكثير من الابتكارات الآن أكثر من ذي قبل، مفيدًا أن المؤتمر الدولي لتقنية البترول يعتمد على العديد من المتطوعين في مختلف بلدان العالم.

ومن جهته أوضح المدير العام لمجلس إدارة المؤتمر الدولي لتقنية البترول 2022م، اديف زولكيفي، أن تميز المؤتمر نابع من تميز داعميه، إذ يتلقى المؤتمر دعمًا من قبل جمعيات مهنية ومحترفة، وبرؤية كبيرة متعلقة بالنفط والغاز، عادًا استضافة المملكة للمؤتمر حدثًا مهمًا لما يحتويه الشرق الأوسط والشرق الأدنى من تنوع في الموارد النفطية والغاز، التي يزداد الطلب عليها، مشيرًا إلى أن المؤتمر سيضع أهدافًا للقضاء على الانبعاثات الكربونية، والمسببة للتغير المناخي، ليكون هناك استدامة للطاقة في المستقبل، وإيجاد حلول تتناسب مع مرحلة التغيير.