استثمار

الاستثمار الأجنبي.. “ثقة” و”فرص” و“صعود”

قفز إلى 23 مليار دولار وزادت رخصه الجديدة بنسبة %250

الاستثمار الأجنبي يواصل ارتفاعه للعام الثالث على التوالي بعد إخفاق عام 2017م

قفزت عدد رخص الاستثمار الأجنبي الجديدة لتبلغ 4439 رخصة مقابل 1266 رخصة خلال عام2020م

تدفق الأموال الأجنبية ليس محصورًا في سوق الأسهم باتجاهها إلى استهداف القطاعات التجارية والصناعية الأُخرى

رؤية 2030م تعززت خلالها الثقة واتسعت فيها الفرص فتغيرت ملامح التدفقات الاستثمارية إلى المملكة

إنها قصة “الثقة، والفرص، والصعود” التي يرويها مسار الاستثمار الأجنبي المباشر في المملكة، الذي نما منذ انطلاق الرؤية عام 2016م نموًا كبيرًا وسجل تقدمًا قياسيًا في تدفقه خلال عام 2021م، ببلوغه نحو 19.3 مليار دولار (72.3 مليار ريال) بارتفاع نسبته %257.2، مقارنة بـ 2020م البالغ 5.4 مليار دولار (20.25 مليار ريال)، ليواصل بذلك ارتفاعه للعام الثالث على التوالي، حيث بلغ في عام 2018م نحو 15.9 مليار ريال (4.2 مليار دولار)، ثم 17.1 مليار ريال (4.6 مليار دولار) في عام 2019م.

رخص الاستثمار الأجنبي

ووفقًا لبيانات وزارة الاستثمار خلال العام الماضي، قفزت رخص الاستثمار الأجنبي الجديدة بما نسبته الـ %250.6، لتبلغ 4439 رخصة في مقابل 1266 رخصة خلال عام 2020م؛ إذ شهد الربع الرابع لعام 2021م إصدار نحو 2056 رخصة مقارنة بـ 449 رخصة خلال الفترة ذاتها من عام 2020م بزيادة قدرها %358. وارتفع عدد الرخص الأجنبية في المملكة خلال الربع الأول بنسبة %38 مقارنة بالفترة ذاتها من العام 2020م لتبلغ 478 رخصة، بينما صعدت بـ %264 في الربع الثاني لعام 2021م لتصل إلى 575 رخصة، بينما ارتفعت خلال الربع الثالث بنسبة %333 لتبلغ 1330 رخصة، وبذلك يبلغ إجمالي رخص الاستثمارات الأجنبية الجديدة في المملكة خلال العام الماضي 4439 رخصة بنسبة ارتفاع %251 عن عام 2020م.

وتصدرت عدد الرخص الجديدة خلال الربع الرابع لعام 2021م قطاع الجملة والتجزئة بما يفوق الـ %44، ثم قطاع الصناعات التحويلية %16، وتم تنفيذ 112 صفقة باستثمارات قيمتها 50 مليار ريال خلال العام الماضي، ما يؤكد زيادة معدلات إقبال المستثمرين الجدد للاستثمار في المملكة بجانب رغبة المستثمرين الموجودين بالفعل في توسيع استثماراتهم القائمة.

قفزة تاريخية

وقد ذهب مراقبون ومحللون اقتصاديون إلى القول بأن المملكة في طريقها للوصول مبكرًا إلى مستهدفها بأن تكون مقصدًا جاذبًا للاستثمارات الأجنبية المباشرة في منطقة الشرق الأوسط، وكذلك مؤسسات اقتصادية دولية عدة بأنها ربما تشهد تضاعفًا في تدفقات الاستثمارات الأجنبية خلال السنوات القليلة المقبلة، وذلك أمام الإصلاحات الهيكلية التي أعقبت الإعلان عن رؤية 2030م في عام 2016م وكذلك البرامج الثمانية التي تم وضعها لتحقيقها وما صاحبها من مساع حثيثة نحو تطوير البيئة القانونية والمؤسسية سواء في تحديث الأنظمة أو في إصدار أنظمة جديدة مثل: نظام التجارة الإلكترونية ونظام الإفلاس ونظام التحكيم التجاري وغيرها، التي كلها مجتمعة ساهمت في تحسن البيئة الاستثمارية وعودة الاستثمارات الأجنبية لمنحنيات الصعود مرة أخرى، بخاصة أمام ما تمتلكه المملكة من كافة مقومات الجذب الاستثماري، فضلاً عن الرغبة الحكومية في توسيع قاعدة الاستثمار الأجنبي.

الركود المتزامن

فإن ما شهده العام الماضي من صعود كبير للتدفقات الأجنبية -رغم تداعيات الجائحة- التي تسببت في حدوث أوسع مجموعة من حالات الركود المتزامن التي شهدها العالم منذ عام 1870م وعانت الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية حالات غير مسبوقة من تدفقات رأس المال إلى الخارج، بمثابة “قفزة تاريخية في تاريخ جذب الاستثمارات الأجنبية ليس في المملكة فحسب بل في العالم بأكمله”، وتحمل دلالات بأن المسارات التي وضعت لأجل رفع نسبة الاستثمار الأجنبي في المملكة تسير في الاتجاه الصحيح.

فإنها “قصة” تعززت خلالها الثقة واتسعت فيها الفرص فتغيرت فيها ملامح التدفقات الاستثمارية إلى المملكة، فلم تعد محصورة في سوق الأسهم باتجاهها إلى استهداف القطاعات التجارية والصناعية الأُخرى، وأصبحت المملكة بكامل قطاعاتها مقصدًا للأموال الأجنبية التي تريد الأمان وتحقيق الأرباح.

أهم عناصر التنمية

وبشكل عام، يمثل الاستثمار الأجنبي على اختلاف صوره أحد أهم عناصر التنمية الاقتصادية، التي كلّما ازدادت تدفقاته ارتفعت بصورة كبيرة معدلات النمو والتنمية ودرجات التنوع الاقتصادي والتمويلي داخل البلدان. فتدفق رؤوس الأموال الأجنبية، يأتي على رأس المتغيرات المؤثرة في تطور ونمو الدول ومؤشر لانفتاحها الاقتصادي ومدى قدرتها على التعامل والتكيف مع التطورات العالمية.

ومن هذا المنطلق، أدرجت المملكة ضمن رؤيتها 2030م على قائمة أولوياتها، تحسين المناخ الاستثماري في مختلف المناطق، مُستغلة في ذلك ما تمتلكه من مقومات وسمات خاصة تكاد تتفرد بها كل منطقة على حدة، وإمكانات بشرية وطبيعية ومالية وسوقية ضخمة، تمثل مقومات أساسية في جذب رؤوس الأموال الأجنبية، التي تستهدف المملكة زيادة تدفقها المباشر بنحو 388 مليار ريال (103.5 مليار دولار) سنويًا خلال 10 أعوام من 2021م حتى 2030م، ما يعني مضاعفته بأكثر من 19 مرة.

جــدوى اقتصاديــة

وما من شك، أن الرؤية حفزت الثقة وأوجدت الفرص، فقد جــاءت لتهيئــة بيئــة طموحــة وجاذبــة للاستثمارات الأجنبية، بدأت باستهدافها رفــع نســبة الاستثمارات الأجنبية المباشـرة ضمن إجمالـي الناتـج المحلـي مـن %0.7 إلـى المعـدل العالمي %5.7 عبـر توليـد فـرص استثمارية جاذبـة ومحفــزة وذات مــردود وجــدوى اقتصاديــة، كالمشاريع الاقتصادية الضخمة التي تجذب الشركات الأجنبية لتفوز بحصة من هذه المشاريع، منها “نيوم” و”البحر الأحمر” و”أمالا” و”القدية” وغيرها من المشاريع، إضافة إلى برنامج الشراكة مع القطاع الخاص “شريك” المتوقع أن يجذب مزيدًا من الاستثمارات، فضلاً عن اتجاهات الشركات الاستراتيجية الكبرى في المملكة ومساعيها لأن تكون أحد أطراف معادلة جذب التدفقات الاستثمارية الأجنبية؛ إذ استطاعت شركة أرامكو السعودية مؤخرًا وائتلاف مستثمرين، بقيادة “بلاك روك” للأصول الثابتة وشركة حصانة الاستثمارية عن إتمام صفقة الاستئجار وإعادة التأجير، حيث استحوذ الائتلاف على حصة %49 في ملكية شركة أرامكو لإمداد الغاز، التابعة لأرامكو السعودية، مقابل 15.5 مليار دولار (بما يعادل 58.1 مليار ريال).

أصول البنية التحتية

وقد نجح الائتلاف في جذب شريحة رائدة من المؤسسات المستثمرة، بالإضافة إلى شركات أخرى تضم، كيبل للبنية التحتية، صندوق طريق الحرير، وتشاينا ميرتشانتس كابيتال، وهذه الصفقة تمثل استثمارًا طويل الأجل من جانب الائتلاف وتطورًا جديدًا في إطار برنامج تطوير محفظة أعمال أرامكو السعودية، ويؤكد على الفرص الاستثمارية القوية التي توفّرها أصول البنية التحتية الضخمة التي تملكها الشركة، كما أنه يعزز أيضًا قوة التطلعات بعيدة المدى للشركة، وكذلك قدرة المملكة على جذب الشركات الاستثمارية.

رحلة الصعود

وبالعودة إلى الأسباب الكامنة وراء صعود منحنى الاستثمار الأجنبي وزيادة جاذبية المملكة للمستثمرين الأجانب، يبدو أن المملكة اتخذت عديدًا من الإجراءات، فعملت ضمن استراتيجية يبدو مدى شمولها والتفاتها لكافة عناصر ومقومات زيادة جاذبية السوق المحلي، فبجانب ما تتمتع به المملكة من استقرار أمني وانفتاح اقتصادي على العالم الخارجي، باعتبارهما أحد عوامل الجذب الاستثماري، منحـت امتيازات ضريبيـة لعـدد مـن المناطـق الأقل نمـوًا بهـدف جـذب مزيـد من الاستثمارات إليهـا، وذلـك لمـدة عشـر سـنوات مـن بدايـة أي مشـروع، والمناطـق التـي تشـملها التخفيضـات الضريبيـة، هـي: (حائـل، جـازان، نجـران، الباحـة، الجـوف، منطقـة الحـدود الشـمالية)، وجميـع هـذه المناطـق يتوفـر بهـا مـدن صناعيـة والعديـد مـن الفـرص الصناعيـة والتجاريـة والسـكنية والخدميـة، أما المناطق الجاذبة بطبيعتها للاستثمار فقد اتجهت المملكة إلى تحسين فرصها الاستثمارية وجعلها أكثر جاذبية.

300 إصلاح اقتصادي

هذا إضافة إلى الإصلاحات الاقتصادية التي أجرتها المملكة خلال الفترة الأخيرة، من أجل تمكين القطاع الخاص من المساهمة في تنمية اقتصادية مستدامة، وتأتي هذه التطورات في الوقت الذي قطعت المملكة  شوطاً على صعيد إيجاد بيئة استثمارية أكثر جذباً وأكثر سهولة لممارسة الأعمال، إذ بلغت نسبة الإصلاحات الاقتصادية %55، من أصل ما يزيد عن 300 إصلاح اقتصادي ، كان من ضمنها التملك الأجنبي الكامل في عدد من القطاعات الاستثمارية الاستراتيجية في المملكة، التي كان من ضمنها مؤخرًا قطاع التعليم، واعتماد إجراءات أسرع وأقل تعقيدًا لتسجيل الأعمال، بما في ذلك إصدار تأشيرات العمل في 24 ساعة، وإصدار التراخيص في وقت أقل من 24 ساعة، وتطوير البنية التحتية القانونية، عبر تطبيق نظام الإفلاس الجديد، وإنشاء مركز تحكيم تجاري، ومحاكم تجارية متخصصة، إضافة إلى تعزيز الحماية القانونية لصغار المساهمين.

تحفيز الاستثمارات

وثمة العديد من الإجراءات الأُخرى التي جاءت في إطار تحفيز الاستثمارات الأجنبية، وعلى رأسها العزم على إيقاف التعاقد مع أي شركة أو مؤسسة تجارية أجنبية لها مقر إقليمي في المنطقة في غير المملكة اعتبارًا من مطلع عام 2024م ويشمل ذلك الهيئات والمؤسسات والصناديق التابعة للحكومة أو أي من أجهزتها، ما يأتي لضمان أن المنتجات والخدمات الرئيسة التي يتم شراؤها من قبل الأجهزة الحكومية المختلفة يتم تنفيذها على أرض المملكة وبمحتوى محلي مناسب، وبالتالي لن يؤثر القرار على قدرة أي مستثمر على الدخول في الاقتصاد المحلي أو الاستمرار في التعامل مع القطاع الخاص.

رفع جاذبية السوق

وبذلك نجحت خطة الإصلاح الاقتصادي في رفع جاذبية السوق، ففي الربع الرابع من عام 2021م شهد دخول توظيفات أجنبية مباشرة إلى الرياض بقيمة 7.25 مليار ريال، ويبدو أن من أسباب الثقة الآخذة بالزيادة في السوق أن الأرباح المُجمّعة للشركات المدرجة في (تداول) سجلت أعلى مستوى منذ عام 2003م كذلك تضاعف عدد التراخيص المالية الأجنبية الجديدة بنسب مرتفعة ومُشَجِعة، حيث وصل الاستثمار الأجنبي المباشر لأعلى مستوى خلال 10 سنوات، محققاً %19 من المستهدف في 2030م، إذ حقق مؤشر “فوتسي للمصارف السعودية”، الذي يتتبع أداء البنوك المختارة ضمن المؤشر، والمؤهلة للاستثمار الأجنبي، مكاسب %15.49 في أول شهرين من العام 2022م.

استمرارية التحفيز

وأمام ما يترتب على زيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر من نتائج نقل التقنية الحديثة ورفع كفاءة المهارات الفنية والإدارية للموارد البشرية الوطنية وتوفير فرص العمل المباشرة وزيادة القدرة التنافسية للمنتجات الوطنية، وغيرها من المردودات الإيجابية للاستثمار الأجنبي، يتطلب الأمر  استمرارية التحفيز وتعزيز دخول المستثمر الأجنبي بشكل مباشر أو غير مباشر، وتمكين بيئة صحية مفتوحة للمستثمرين الدوليين، وبالتالي فإن المسؤولية تتزايد بذل جهود أكبر لترويج الاستثمار في المملكة، وتعميق السوق الوطني، ووضع اللوائح الرسمية الملائمة والمحفزة ومتابعتها، وتسهيل دخول المستثمرين وتحسين الخدمات اللوجستية الحالية، وإصدار التراخيص بسرعة ومهنية.