طاقة

الغاز الطبيعي.. عصر الطاقات المستدامة

سلعة مرغوب بها للغاية داخل آبار النفط

التوقعات تتباين حول الطلب على الغاز مستقبلاً، وإن كان أغلبها يميل إلى زيادة الطلب

“الجافورة” بحلول 2036م، قد يصل إنتاجه إلى نحو 2.2 مليار قدم مكعب يوميًا بنحو 8.6 مليار دولار سنويًا

تحسين تلوث الهواء بسحب الكربون سيكون محركًا رئيسيًا للطلب على الغاز وخاصة في الأسواق الناشئة

المدير التنفيذي للوكالة الدولية للطاقة: ثلاثة تحولات هيكلية رئيسية ستعيد تشكيل أسواق الغاز العالمية

اكتشاف خمسة حقول للغاز الطبيعي في الربع الخالي والمنطقة الوسطى والحدود الشمالية والمنطقة الشرقية

المملكة وقعت عقدًا ضخمًا في الولايات المتحدة يتيح لها الوصول إلى 5 ملايين طن من الغاز الأميركي المسال على مدى 20 عامًا

تحول من منتج ثانوي غير مُستحب فيه داخل آبار النفط إلى سلعة مرغوب بها للغاية، يمكن استخدامه كبديل للنفط نظرًا لضرره الأقل على البيئة وسعره المنخفض، ما جعلا منه السلعة المُفضلة لدى موردي الطاقة والمستخدمين النهائيين.

فأصبح الغاز الطبيعي، ليس فقط مصدرًا مهمًا للطاقة، يسهم في النمو الاقتصادي في مختلف بقاع العالم، لكنه صار وقودًا مثاليًا، باعتباره أحد مصادر الطاقة البديلة، إذ أن الغاز الطبيعي، هو مادّة هيدروكربونية غازية تحتوي على عدّة أنواع من الغازات، ويوصـف بأنـه الصورة الغازية للنفط، ويتميّز عن أخويه (النفط والفحم) بأنه صديق للبيئة بسبب انخفاض انبعاث غازات الاحتباس الحراري عند حرقه مقارنةً بالنفط والفحم.

الطاقات المستدامة

ويرى العديد من الخبراء أن الغاز الطبيعي، هو “وقود الانتقال إلى عصر الطاقات المستدامة”، وهو سلعة إقليمية أكثر مما هو سلعة دولية، فأفضلية التوزيع تكون إلى الدول الأقرب لمواقع إنتاجه، وعلى الرغم من أن نقل الغاز إلى مسافات بعيدة يعد مكلفًـا، مقارنة بالنفط، إلا أن هناك العديد من المؤشرات، التي تؤكد أن الطلب على الغاز الطبيعي سوف يتزايد.

وقد جرت العادة أن تتحرك أسعار الغاز الطبيعي والنفط معًا، ولكن منذ عام 2006م وعندما تم إدخال تقنيات حفر جديدة، أصبح الغاز الطبيعي معترفًا به كسلعة قائمة بذاتها، يستطيع مستهلكو هذه الصناعة الذين اعتادوا الاعتماد على الفحم أو النفط التحوّل الآن إلى الغاز الطبيعي كمصدر للطاقة يمكنه تشغيل المصانع وإنتاج الكهرباء.

ولاقى الغاز الطبيعي سوقًا مزدهرًا بين متداولي العقود الذين ينظرون إليه على أنه سلعة مستقلة بذاتِها، ولها نفس قابلية التداول مثل السلع المنافسة الأخرى، وأخذ يتباعد الغاز الطبيعي والنفط مع مرور الوقت، مما يؤدي إلى زيادة التقلبات وبداية عصر جديد من تداول الطاقة، ومسارات جديدة نحو زيادة الطلب عليه.

د. فاتح بيرول

تعدد استخداماته

وربما يرجع ذلك، إلى أهمية الغاز الطبيعي في ظل عدد من العوامل، أهمها، أنه يُعد صديقًا للبيئة، كذلك تتعدد استخدامات الغاز الطبيعي، إذ يمكن استخدامه في تغذية محطات توليد الكهرباء، والتدفئة، ومحطات تحلية مياه البحر، وفي الصناعات البتروكيماوية، وكذلك في الصناعات الثقيلة، مثل صناعة الألومنيوم والحديد والصلب، فضلاً عن وسائل المواصلات.

ومع التقدم العلمي، حدثت العديد من التطورات، ليس فقط فيما يتعلق بالغاز الطبيعي، ولكن أيضًا فيما يتعلق بأبحاث تطوير الطاقات المستدامة بشكل عام، والتي باتت تراعي التنافس مع الطاقات البديلة نفسها، وليس التنافس مع النفط فقط، ومن هذه التطورات النجاح في تقليص حجم انبعاثات الميثان، فضلاً عن البحوث الجارية لـ “تحييد الكربون” في الغاز المسال وتقليص الانبعاثات من التكرير أو النقل.

جهود عربية

وإدراكًا منها لأهمية الغاز الطبيعي، قامت عدد من الدول العربية، باتخذ خطوات ملحوظة، لتطوير صناعة الغاز الطبيعي لديها، فقد قامت مصر من جانبها، والتي أصبحت تحتل، خلال العام 2020م المركز الـ 14 عالميًا والثاني إفريقيًا في إنتاج الغاز، بمجموعة من الخطوات، من أجل التحول إلى مركز إقليمي لتجارة وتداول الغاز، بعد نجاحها في تحقيق الاكتفاء الذاتي منه.

وساعد مصر على ذلك امتلاكها بنية تحتية قوية، تتمثل في شبكات ومصانع إسالة وموانئ، كما أطلقت استراتيجية قومية، لجذب الاستثمارات الأجنبية في مجال البحث والاستكشاف عن البترول والغاز، وتكثيف طرح المزايدات العالمية وتوقيع الاتفاقيات، فضلاً عن قيام القاهرة، بتأسيس منتدى غاز شرق المتوسط، لتعزيز قدراتها الإنتاجية والتصديرية.

كما بذلت شركات النفط الليبية جهودًا في مجال تطوير الآبار، وهو ما نتج عنه رفع انتاج الآبار، مثل آبار حقل “الوفاء” إلى 100 مليون قدم مكعب يوميًا، وحقل “الفارغ” النفطي الذي يُسهم بـ 250 مليون قدم مكعب من الغاز، وتجدر الإشارة هنا إلى أن ليبيا هي ثامن الدول العربية، من حيث احتياطيات الغاز الطبيعي، كما تتميز بموقعها الجغرافي، الذي يتيح لها القيام بدور هام في مجال الغاز الطبيعي.

المملكة والغاز

وعلى صعيد متصل، ووفقًا لرؤية مستقبلية للمكان الذي سيتواجد فيه الغاز الطبيعي على الخريطة الاقتصادية العالمية، تبذل المملكة جهودًا مستمرة لزيادة حصة الغاز الطبيعي في منظومة الطاقة لديها، لتلبية الاستهلاك المحلي المتزايد، وتمهيدًا لأن يكون الغاز الطبيعي مماثلاً للنفط الخام وزيت الوقود مستقبلاً، كذلك، فإن المملكة تخطط إلى تصدير الغاز مستقبلاً.

ولدى المملكة خطط، تستهدف الوصول إلى الحياد الصفري لانبعاثات الكربون (صفر في المئة صافي انبعاثات الكربون) بحلول 2060، كما أعلنت أنها ستنضم أيضًا إلى التعهد العالمي، بشأن الميثان للمساهمة في خفض الانبعاثات العالمية لهذا الغاز، بنسبة %30 بحلول عام 2030م كجزء من التزاماتها البيئية.

وترجع بدايات اهتمام المملكة بصناعة الغاز الطبيعي، إلى عام 1975م حيث بدأت المملكة، في استخلاص الغاز واستخدامه لتطوير منتجات ذات قيمة مضافة إلى جانب الزيت.

بنية تحتية شاملة

وتم تصميم وتشغيل شبكة متكاملة، لتجميع ومعالجة ونقل الغاز الطبيعي المصاحب لإنتاج الزيت الخام (شبكة الغاز الرئيسة)، وبالفعل فقد تم تطوير بنية تحتية شاملة للغاز الطبيعي في المملكة، لتشكل، بعد ذلك، شبكة ضخمة من خطوط الأنابيب وثلاث مرافق ضخمة لمعالجة الغاز.

ومنذ ذلك الوقت، وهناك توسعات في مجال الغاز الطبيعي، منها بدء معمل الغاز في “الحوية” أعماله عام 2001م لتعزيز إمدادات المملكة من الغاز، وتزويده لشركات الكهرباء ومحطات تحلية المياه بالوقود، وتغذية صناعة البتروكيماويات في المملكة، وكذلك افتتاح معمل الغاز في “حرض” عام 2003م ليرفع الطاقة الاستيعابية لشبكة الغاز، لتصل إلى 9.5 مليارات قدم مكعبة قياسية في اليوم.

وفي عام 2008م تم تدشين معمل غاز “الخرسانية،” أما في عام 2015م فقد بدأ الإنتاج في معمل الغاز في “واسط” الذي يعد واحدًا من أكبر معامل الغاز بالمملكة، وبعدها بدأ الإنتاج بمعمل “الفاضلي” لإنتاج الغاز.

خمسة حقول جديدة

وفي نوفمبر 2021م احتفلت أرامكو السعودية ببدء أعمال تطوير حقل “الجافورة”، متوقعة أن يبدأ الإنتاج منه في عام 2024م وأن يصل إنتاجه بحلول 2036م إلى نحو 2.2 مليار قدم مكعب يوميًا كما سيحقق دخلاً صافيًا بنحو 8.6 مليار دولار سنويًا.

وفي فبراير من العام الجاري 2022م أسفرت الجهود المبذولة، عن اكتشاف خمسة حقول للغاز الطبيعي في أربع مناطق (المنطقة الوسطى، ومنطقة الربع الخالي، ومنطقة الحدود الشمالية والمنطقة الشرقية)، حيث أعلن وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان بن عبد العزيز، أن شركة الزيت العربية السعودية “أرامكو” تمكنت من اكتشاف عدد من حقول الغاز الطبيعي في منطقة الربع الخالي والمنطقة الوسطى ومنطقة الحدود الشمالية والمنطقة الشرقية، حيث يُقدر إجمالي معدل تدفق الغاز منها بنحو 103.6 مليون قدم مكعبة قياسية في اليوم.

توسع وتعاون

ولا تقتصر جهود المملكة، على الاكتشافات أو التطوير، إذ سعت شركة أرامكو إلى توسيع نشاطاتها حول العالم، في مجال الغاز الطبيعي، واستطاعت أرامكو بالفعل، توقيع عقد ضخم في الولايات المتحدة، يتيح لها الوصول إلى 5 ملايين طن من الغاز الأميركي المسال على مدى 20 عامًا.

كما تسعى المملكة لعقد شراكات استراتيجية، تمكنها مستقبلاً، من أن تصبح ثالث أكبر منتج للغاز في 2030م وتصدير ما يصل إلى 3 مليارات قدم مكعب من الغاز يوميًا بحلول عام 2030م.

ومن جهة أخرى، وفي إطار التنسيق الخليجي الأوروبي، أعلن “باتريك سيمونيه” سفير مفوضية الاتحاد الأوروبي، عن استراتيجية، من المتوقع أن تدخل حيز التنفيذ الفعلي في يناير 2023م لزيادة مستوى التعاون مع دول مجلس التعاون الخليجي، وفي مقدمتها المملكة، لضمان إمدادات الغاز الطبيعي والطاقة، واستقرار أسواق الطاقة العالمية، ومواجهة التحديات، التي أفرزتها الحرب الروسية على أوكرانيا.

وتتضمن الاستراتيجية، زيادة كفاءة الطاقة، وتعزيز الطاقة الخضراء وتكنولوجيا الإنتاج وتنويع الاقتصاد، وتدشين مباحثات لاستيراد الغاز الطبيعي من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة وتوسيع دائرة الاستثمارات في مجال الطاقة المتجددة، وضمان ضخ هيدروجين أخضر من المملكة إلى أوروبا.

الطلب المستقبلي

وعلى الرغم من أن وكالة الطاقة الدولية توقعت أن ينخفض الطلب على الغاز الطبيعي بواقع %3 بسبب جائحة كورونا، إلا أنها رأت أن الطلب سيتعافى تدريجيًا، مرجحة أن يبلغ متوسط نمو الطلب على الغاز الطبيعي %1.5 سنويًا خلال الفترة من 2019م حتى 2025م.

وبشكل عام، فإن التوقعات تتباين حول الطلب على الغاز مستقبلاً، وإن كان أغلبها يميل إلى زيادة الطلب، إذ تتوقع مؤسسة “ماكينزي” الاستشارية في دراسة لها استمرار ارتفاع الطلب على الغاز للعديد من الأسباب، على رأسها انخفاض انبعاثاته للكربون، وكذلك في ظل التقدم التقني، الذي قد ينجح في سحب الكربون منه، وبذلك، يمكن القول، إن تحسين تلوث الهواء سيكون محركًا رئيسيًا للطلب على الغاز، وخاصة في الأسواق الناشئة.

كما تتوقع وزارة الطاقة الأميركية، زيادة استهلاك الغاز العالمي إلى 40 أو %45 بحلول منتصف القرن، ولكن على الجانب الآخر، فإن هناك دراسة تحت عنوان “صفر الانبعاثات في عام 2050م” صادرة عن وكالة الطاقة الدولية، تتوقع أن ينخفض الطلب العالمي على الطاقة %8 بحلول عام 2050م.

ووفقًا لتقديرات وكالة الطاقة الدولية في عام 2018م فإن الطلب العالمي على الغاز سينمو بمعدل يبلغ %1.6 سنويًا، ليرتفع من 3740 مليار متر مكعب عام 2017م إلى حوالي 4100 مليار متر مكعب عام 2023م.

وفي هذا الإطار يقول الدكتور “فاتح بيرول” المدير التنفيذي للوكالة الدولية للطاقة أن هناك ثلاثة تحولات هيكلية رئيسية، ستعيد تشكيل أسواق الغاز العالمية، فبالإضافة إلى زيادة الطلب الصناعي، وارتفاع الإنتاج والصادرات الأمريكية، فإن ثالث هذه التحولات، وربما أبرزها حاليًا، يتمثل في نمو الطلب من الصين التي ستصبح أكبر مستورد للغاز في العالم، وسط توقعات بأن يصل نمو الطلب الصيني على الغاز إلى %60 عام 2023م مقارنة بعام 2017م خاصة في ظل السياسات الهادفة إلى تقليل تلوث الهواء بالانتقال من الفحم إلى الغاز، ويتزامن مع نمو الطلب الصيني، نمو الطلب في جنوب وجنوب شرق آسيا.