اقتصاد

الاقتصاد الإبداعي.. عالم من الفرص

البنك المركزي السعودي يرفع الفائدة للمرة الثانية في شهرين، مدفوعا بالتحركات العالمية

قرار رفع القائدة من قبل البنوك المركزية الخليجية، ليس أمرًا سهلا، ولكنه ضروري للحفاظ على تدفقات رؤوس الأموال ومنع المضاربات

معدل نمو صادرات الاقتصاد الإبداعي يفوق مثيله في الصناعات الأخرى

الأمم المتحدة: “الاقتصاد الإبداعي” سيكون أحد المحركات الرئيسية للاقتصاد العالمي

سوق الصناعات الثقافية والإبداعية العالمي، سيصل إلى أكثر من تريلوني دولار

على من يبحث عن النجاح أن يبدأ من البيئة المحيطة به ويتعرف على احتياجاتها

 

يتميز الاقتصاد الإبداعي بأنه اقتصاد سريع النمو، ويتمتع بالاستدامة وبمرونة عالية وقدرة على مواجهة التقلبات والتغيرات الاقتصادية، وتوقعت الأمم المتحدة، أن يكون أحد المحركات الرئيسية للاقتصاد العالمي، مقدِّرةً مساهمته بما يعادل %3 من الناتج الإجمالي العالمي، وبقيمة تُقدر بـ 2.25 تريليون دولار أمريكي سنويًا، وأبانت منظمة التجارة والتنمية، من خلال تتبعها لحركة السلع الثقافية والخدمات الإبداعية، لما يقرب من 20 عامًا، أن معدل نمو صادرات الاقتصاد الإبداعي يفوق مثيله في الصناعات الأخرى.

نقطة التقاء

ويُعد “الاقتصاد الإبداعي” أحد المفاهيم الحديثة والمتطورة، التي ترتكز على التفاعل بين “الإبداع الإنساني والأفكار والمعرفة”، حيث يكون بمثابة “نقطة التقاء” تلتقي فيها الثقافة والتجارة والتكنولوجيا، وهو بذلك طريقة جديدة للتفكير والقيام بعمل ينعش الاقتصاد والخدمات والتجارة، بشكل يتماشى مع النهضة التكنولوجية العالمية، وبمعنى أكثر واقعية، هو كيفية كسب المال من الأفكار.

ويتبنى الاقتصاد الإبداعي كافة الأفكار في تلك المجالات وتحويلها من أفكار إبداعية إلى أفكار تجارية، من أجل تعزيز النمو الاقتصادي، وزيادة فرص العمل، ورفع مستوى الصادرات.

 

15 نشاطًا

وقد ظهر مفهوم “الاقتصاد الإبداعي” في عام 2001م، على يد الباحث البريطاني “جون هوكنز”، الذي حاول أن يجمع المكونات التالية: “الإبداع، والملكية الفكرية، والإدارة، ورأس المال، والثروة”، ضمن إطار شامل ودليل عملي، حيث حصر، في كتابه الرائد “اقتصاد الإبداع”، 15 نشاطًا تشمل مجالات متنوعة، مثل: (الفنون، والتعليم، والتكنولوجيا)، وقدَّر حينها “هوكنز” حجم معاملات هذا الاقتصاد في مختلف أنحاء العالم بما يعادل 2.2 تريليون دولار.

وأصبح المفهوم بعد ذلك متداولاً حتى داخل المؤسسات الدولية الرسمية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، التي قننت استخدامه، محددةً المعايير، التي يمكن على أساسها أن نُصنف اقتصادًا ما، أو قطاعًا، أو سلعة، أو خدمة، ضمن “منظومة الاقتصاد الإبداعي”.

الاقتصاد البرتقالي

وتزامن ذلك، مع صياغة مصطلح “الاقتصاد البرتقالي”، بهدف فهم كيفية تداخل القطاعات المختلفة واستفادتها من “الاقتصاد الإبداعي”، حيث قام “فيليبى بويتراجو ريستريبو” و”إيفان دوكي ماركيز”، بتأليف كتاب “الاقتصاد البرتقالي: فرصة لا حصر لها”، وقد تم إطلاق لفظ “برتقالي” على “الاقتصاد الإبداعي”، نظرًا إلى أن اللون البرتقالي يُعد رمزًا للثقافة والإبداع والهوية عند المصريين القدماء.

وفي التقرير الصادر عام 2008م عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، فإن الاقتصاد الإبداعي، هو ذلك “النمط من النشاط الاقتصادي، الذي يقوم على استغلال الأصول الإبداعية، والتي يمكن أن تولّد النمو الاقتصادي، وتقود إلى التنمية الاقتصادية”.

ورأى التقرير كذلك، أن الصناعات الإبداعية هى تلك السلع والخدمات، التي تستخدم الإبداع ورأس المال الفكري كمدخلات أولية، والتي تغطي عدة مجالات، كالمجال الثقافي والعلمي والتكنولوجي والزراعي والصناعات الغذائية.

ويشتمل ذلك على الصناعات والسلع والخدمات، التي تعتمد على الإبداع والفكر في مجالات التراث والفنون، ووسائل الإعلام وصناعة النشر، وحقوق الملكية الفكرية، والإبداعات الوظيفية ومهارات ريادة الأعمال والبرمجيات.

نماذج ملهمة

ويُعد محرك البحث الشهير (Google) من الأمثلة الملهمة لشركات الاقتصاد الإبداعي، التي استثمرت في التكنولوجيا، وطورت من أفكارها واستقطبت الكفاءات والمبدعين من شتى بقاع العالم، فقد تطورت Google، لتشمل بالإضافة إلى محرك البحث والبريد الإلكتروني (Gmail)، لتقدم خدمات خاصة بالترجمة (Google Translate)، وبرامج الخرائط (Google maps).

أما شركة تسلا Tesla، فتُعد من الشركات الناجحة، التي استثمرت في الطاقة المتجددة، وأنتجت السيارات الكهربائية من خلال الابتكار والفكر الاقتصادي العصري، لتصبح ضمن أقوى الشركات الاقتصادية في العالم، وبقيمة تسويقية تصل لمئات المليارات من الدولارات.

والأمر نفسه ينطبق على شركة أمازون، التي أدركت حجم النمو السريع للإنترنت وللتجارة الإلكترونية، أما شركة إيكيا (IKEA)الرائدة في صنع الأثاث، فقد أحدثت بفضل ابتكاراتها، انقلابًا في التصميم المنزلي الحديث لبساطة تصميمها وجودة منتجها.

الصناعات الإبداعية

وكانت التطورات الجديدة التي حدثت بعد انتشار جائحة كورونا، قد فرضت طرقًا بديلة غير تقليدية وأساليب جديدة في العمل، لتحريك عجلة الاقتصاد، وأعطت الصناعات الإبداعية دورًا أكبر في تحريك عجلة الاقتصاد.

وادركًا منها لأهمية الاقتصاد الإبداعي، وللإبداع بشكل عام، خصصت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 21 أبريل يومًا عالميًا للابتكار والإبداع، لإذكاء الوعي بدور الإبداع والابتكار في مجالات التنمية البشرية المختلفة، كما خصصت الأمم المتحدة ـ استجابة لمبادرة إندونيسية وبتأييد أكثر من 80 دولة حول العالم ـ العام الماضي 2021م عامًا للاقتصاد الإبداعي.

قيمة غير نقدية

وفي العام نفسه، عُقد المؤتمر العالمي للاقتصاد الإبداعي بدولة الإمارات العربية المتحدة خلال عام 2021م تحت شعار “إبداع متكامل يصنع المستقبل”، حيث تضمن ستة محاور أساسية، وهي: إطلاق قدرات التعليم، وإعادة ابتكار العمل، والتحوّل التكنولوجي، وتعزيز المشهد الإعلامي وقنوات التواصل، ومستقبل مستدام، والتنوع، والشمول.

وإلى جانب الفوائد الاقتصادية للاقتصاد الإبداعي، فإنه يستطيع بجانب عوائده النقدية توليد قيمة غير نقدية، يمكنها أن تسهم في تحقيق النمو الشامل والمستدام، يرتكز على الأفراد والمجتمعات، فضلاً عن ابتكاره منتجات تجمع بين التطور الاجتماعي والإنساني والاقتصادي.

 

اقتصاد لجميع البشر

كذلك، فإن من أهم ما يميز الاقتصاد الإبداعي، بجانب أنه اقتصاد سريع النمو، ويتمتع بمرونة عالية وقدرة على مواجهة التقلبات الاقتصادية، هو استدامته، ففي حين أن الاقتصاد التقليدي يرتكز على توافر المواد الخام والآبار النفطية والأيدي العاملة وغيرها، وهو ما يتوفر في بعض البلدان وتعاني بلدان أخرى من النقص فيه، فإن “الاقتصاد الإبداعي” يعتمد على الإبداع والخيال، ومتاح للبشر جميعًا ولكافة الدول بشكل متساوٍ.

الابتكار في الصين

وقد حققت الصين، بالفعل، تقدمًا كبيرًا في مجال الاقتصاد الإبداعي، مقارنة بمعظم الدول حتى المتقدمة منها، حيث استحوذت على %20.8 من هذه السوق، خلال الفترة من 2002م إلى 2008م، بينما جاءت الولايات المتحدة، في المركز الثاني عالميًا بنسبة %8.6 فقط.

ووضعت الصين خطة لتعزيز الابتكار الصناعي، وللانتقال من “صُنع في الصين” إلى “الابتكار في الصين”، حيث باتت القطاعات الإبداعية، تُسهم بما يزيد على 450 مليار دولار في الاقتصاد الوطني، أو ما يوازي نحو %4 من إجمالي الناتج المحلي.

ووفقًا لتقديرات عام 2018م فإن الاقتصاد الإبداعي في بلدان الاتحاد الأوروبي أسهم بما يعادل %5.3 من إجمالي الناتج المحلي للاتحاد الأوروبي، أي ما يعادل 550 مليار دولار وساهم في خلق 12 مليون وظيفة.

التجربة الإندونيسية

وادراكًا منها لأهمية الاقتصاد الإبداعي فقد أضافت إندونيسيا لمسمى وزارة السياحة قطاع الاقتصاد الإبداعي، وأصبحت تعرف هناك باسم وزارة السياحة والاقتصاد الإبداعي، وأنشات مؤسسة مختصة بقضايا الاقتصاد الإبداعي تعرف باسم “الوكالة الإندونيسية للاقتصاد الإبداعي”، بهدف جعل الاقتصاد الإبداعي ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني الإندونيسي، وذلك من خلال دعم الشركات الإندونيسية، عبر أنشطة الوكالة، وعلى رأسها البحث والتطوير والتعليم والبنية التحتية والتسويق وتنظيم حقوق الملكية الفكرية.

وبحسب الإحصاءات، فقد حقق الاقتصاد الإبداعي في إندونيسيا في العام 2017م ما يزيد على %7 من إجمالي الناتج المحلي، ووظف نحو 15.9 مليون شخص.

 

سوق الصناعات الإبداعية

ووفقًا لتقرير شركة إيرنست آند يونغ للأبحاث، فإنه من المتوقع أن يصل سوق الصناعات الثقافية والإبداعية العالمي، خلال السنوات القليلة القادمة إلى أكثر من تريلوني دولار، وأن يتم توفير نحو 30 مليون وظيفة جديدة، أما على صعيد منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، فقد توقع التقرير أن يصل سوق الصناعات الثقافية والإبداعية إلى نحو 58 مليار دولار، وأن يتم كذلك توفير أكثر من مليوني وظيفة جديدة، خلال السنوات القليلة القادمة.

 

رؤية إبداعية

وقد اهتمت المملكة، منذ سنوات بالاقتصاد الإبداعي، فأطلقت العديد من المنتجات الثقافية والإبداعية، والصناعات الإبداعية الأخرى ذات الطابع التجاري والاقتصادي، كما تبنّت سياسة المدن المتخصصة، مثل مشروع مدينة “القدية”، ليمثل نقلة محورية في مجال الرياضة والثقافة والاقتصاد، من خلال رؤية إبداعية.

وتشير بعض التقديرات إلى أن الاقتصاد الإبداعي في المملكة يسهم بنسبة %27 في فتح مجالات استثمارية لأصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة، كما يُخفِّض البطالة بنسبة %29، ومن المستهدف مضاعفة مساهمة القطاعات الإبداعية في الناتج المحلي الإجمالي لقطاع الثقافة في الاقتصاد السعودي بمقدار 5 أضعاف، وتم الإعلان عن إطلاق 27 مبادرة، منها: إطلاق برنامج الابتعاث الثقافي، وتطوير المكتبات العامة، وتأسيس مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، وتشجيع الإنتاج الثقافي في 14 فئة منها العمارة والتصميم والأدب وكذلك دعم المؤسسات الثقافية.

كما تم إنشاء مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي “إثراء”، والذي تملكه شركة أرامكو السعودية، من أجل المساهمة في تمكين الأجيال القادمة، من تحويل أفكارهم إلى واقع، وتشجيع وتطوير الصناعات الإبداعية، التي ترتكز على الأنشطة الاقتصادية القائمة على المعرفة، والانطلاق نحو أفكار عالمية بمحتوى محلي.

 

دور لم ينتبه له بعد

وكان تقرير اليونسكو، حول الثقافة والتنمية المستدامة، قد توصل إلى ضرورة، أن تكون الثقافة والصناعات الإبداعية جزءًا لا يتجزأ من الخطط الشاملة للنمو الاقتصادي، باعتبار أن تلك الصناعات هي من أكثر القطاعات دينامكية في الاقتصاد العالمي، حيث تدر دخلاً يقدر بـ 2.25 مليار دولار وتُوجد 29.5 مليون وظيفة في كل أنحاء العالم، وهو ما يقود إلى زيادة معدلات النمو والتخفيف من حدة الفقر.

ومع ذلك، فإن الاقتصاديين يرون أن أهمية ودور الاقتصاد الإبداعي، لم يتم الانتباه لها بعد، خاصةً فيما يتعلق بارتباطه وتشابكه مع أهداف التنمية المستدامة، مع أن أحد مكونات “الاقتصاد الإبداعي، وهي الثقافة، يمكن أن تكون أداة تحفيز ودعم لعمليات النمو الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وربما يرجع ذلك، للعديد من المعوقات والتحديات، التي تواجه الاقتصاد الإبداعي، ومنها نقص المعلومات والدراسات الكافية، الأمر الذي يحول دون التخطيط الجيد والسليم.

 

دعم أصحاب الأفكار الخلاقة

ويتطلب ذلك، بناء القواعد المعلوماتية، وتعزيز مخصصات البحث العلمي ووضع أجندة للبحوث التطبيقية في مجالات الصناعة المعرفية وبناء الاقتصاد المعرفي، وكذلك دعم المبتكرين وأصحاب الأفكار الخلاقة.

ونظرًا لحداثة مفهوم “الاقتصاد الإبداعي”، فإن هناك تنازعًا في الاختصاصات، ينشأ غالبًا، بين الجهات المختلفة داخل الدولة الواحدة، إذ ترى كل جهة أن بعض محاور “الاقتصاد الإبداعي”، يُمكن أن تندرج ضمن اختصاصاتها، الأمر الذي يفرض مراجعة البيئة التشريعية والقانونية الداعمة لقطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وتوفير البيئة المناسبة لاستثمار الصناعات الإبداعية، وتنظيم ووضع خطط ملائمة للبنية التحتية وشبكات الاتصال مع تحقيق مستويات راقية من الأمان المعلوماتي.

وأخيرًا، فإن الاقتصاد الإبداعي، إذا كان قائمًا على الإبداع والابتكار والأفكار الخلاقة، فإن ذلك يتطلب التجاوب مع متطلبات المجتمع وهويته الثقافية وظروفه الاجتماعية، فلكل بلد خصوصيته، وعلى من يبحث عن النجاح أن يبدأ من البيئة المحيطة به ويتعرف على احتياجاتها ومظاهر تميزها، وفي الوقت نفسه يستفيد من تجارب الآخرين.