نافذة

مدى توريث الحرص والذكاء

عبد العزيز الذكير

يتداول الناس في الوطن العربي وفي غيره من البلدان أن الشركات العائلية المنتشرة هنا وهناك هي عبارة عن تكاتف عوامل مادية وعقلية وبيئية، فالأبناء ورثوا المال، ولم يُفتش أحد عن مفاهيمهم العملية والعقلية، ونجحت تلك التكوينات.

ووجد المحللون للنجاحات في ميدان الكسب ـ أو كما يسمى بالعامية البيع والشراء ـ تفسيرات عدة، وقد أضاف إليه البعض تعبيراً مستجداً وهو Business Intelligence.

يقودني هذا الحديث إلى حكاية امرأة فاضلة من سكان مدينة عنيزة في حوالي السبعينيات الهجرية الماضية، كانت في شبابها تعمل في البيوت، ولها ولد وحيد. واستفاد منها تجار الجملة الذين يتخصصون في الأقمشة النسائية، وكانوا يعطونها العيّنات وتقوم بعرضها على ربات المنازل وتأخذ طلباتهن، ومقابل ذلك الجهد كانت تحصل على «سعي» أي عمولة، واستمر دخلها في الزيادة فتركت خدمة المنازل وتفرّغت لعملها الجديد.

وأفادها عملها هذا في أن تعرف معظم المنازل وأهلها وأنها مقبولة الحديث والأخبار عندهم، وذات شخصية جذابة وتُعطي «تسهيلات» لمن تعرفهم جيداً بأن تؤجّل الدفع. وعجب الناس من قدرتها على التذكّر، فلم تكن تستعمل القيود الدفترية، وقادها نجاحها وثقة الناس بها إلى استئجار دكان ضم كل ما يحتاجه الناس من أواني ومستلزمات المطبخ. وفي مرحلة متقدِّمة من عملها صارت تذهب بنفسها إلى أسواق بريدة، حيث ترد بضائع في الغالب من الشام، فتستأجر سيارة «وانيت» ذهاباً وإياباً وتأتي لدكانها بكل شيء جديد ومطلوب.

آخر وقتها اشترت أرضاً سكنية في حيّ مرموق، وعند زواج ابنها أقامت له عرساً شهده كثير من الجوار، بما زودته من عقود إضاءة وسجاد ثمين.

وقيل لي إن إحدى حفيداتها تخرّجت في قسم اللغة الإنجليزية وأصبحت مدرسة أو مديرة. الله تعالى ألهم جدتها المعرفة بشؤون البيع والشراء وأعطى الحفيدة موهبة سرعة التعلّم والتحصيل.

في ذلك الزمن لم تكن عبارة أو مفهوم الذكاء التجاري تحتل حيزاً كبيراً من أذهان الناس، كما هي الآن، حيث انفجار المعلومات التي إن لم تحسن التعامل معها فلن تذهب بعيداً في تجارتك. وإن فهمتها فهماً صحيحاً فستتضاعف تجارتك بغض النظر عن كونك «ابن تجار» أو تنتمي إلى عامة الناس.

في عالمنا المعاصر لا بد لصاحب التجارة من معرفة قامات في السوق وفي غيره، ومن هنا جاء علم العلاقات العامة وشراء الاستحسان.

يصر كثير من أصحاب رؤوس الأموال الضخمة أو الصغيرة على دخول أولادهم مجال التجارة من أجل استثمار أموالهم وتنميتها، إلا أنّ الأولاد يجهلون ماهية الطرق والخطوات الواجب عليهم اتباعها من أجل تحقيق النجاح في هذا المجال، وتفادي خسارتهم لأموالهم أو أيّ جزء منها، حيث إنّ أي مجال من مجالات التجارة يقوم على مجموعة من المبادئ والأساسيات التي تكفل إنجاح العمل وتطويره.

وتحضرني قصة ثريّ أمريكي عندما حل ضيفاً في أحد الفنادق الكبيرة طلب غرفة عادية، وبما أنه كان معروفاً عند إدارة الفندق سألوه: لماذا لم تحجز جناحاً شأن ابنك الذي اعتاد أن يحجز جناحين، أحدهما للنوم والراحة والآخر للاستقبال والحفلات. فقال: ولدي ابن فلان المليونير، وذكر اسمه، أما أنا فابن رجل من العامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Comment moderation is enabled. Your comment may take some time to appear.