رجل وزمان

العبدالواحد.. من «الأرزاق» إلى «الصناعة» الوطنية!

ارتبط اسم «العبدالواحد» بتأسيس صناعة «وطنية» للأثاث والمفروشات ومصنع في الخالدية بالدمام

كيف استثمر موهبته في «الحسابات» التجارية في «التحوُّل» من العمل للغير إلى بناء نشاطه الخاص؟

بدأ حياته العملية في «خياطة الثياب» مع اثنين من الخيَّاطين في سوق الدمام

قد تبدو المسافة قصيرة، صغيرة، ضئيلة في «المكان»، وربما لا تحتاج إلى وقت، لكي يقطعَها المرء إذا ما أراد أن يتحرك من نقطة فيها إلى نقطة أخرى.. لكنها في «الزمان» تطلبت وقتاً طويلاً، استغرق عُمراً من العمل الشاق والسّهر والكفاح والاجتهاد والصّبر، حتى تحقق «الحُلمُ» الذي راود الفتى العبدالواحد يوماً، أن يكبر، وأن يكون له «اسم» في عالم التجارة والاستثمار، وبمعنى آخر عالم «المال والأعمال».. وقد كان له ما أراد، مع شقيقه عبدالله، إذ بدآ من «الصّفر»، لا يملكان إلا ثقة في رعاية الله وتوفيقه، وثقة في النفس، وإرادة قوية، ورغبة في العمل و… النجاح.. النجاح الذي لم يكن له بديل عندهما، وقد كان..

هنا سطور من سيرة حياة مفعمة بالعمل والأمل، وقصة نجاح بدأت بتجارة بسيطة تمثلت في «الأرزاق» والملابس، وتُوِّجَت بتأسيس «صناعة» وطنية وإنتاجية وبناء مصنع كبير للأثاث و«الموبيليا» والمفروشات..

من أوائل التجار بمدينة الدمام، عاصر نشأتها عندما قدمت عائلته مع الدواسر من البحرين وكان أحد التجار الذين أسسوا المحلات التجاريه بهذه المدينة، حيث كانت تقتصر المحلات على بيع المواد الغذائية أو ما يعرف وقتها بالأرزاق، أو محلات بيع الملابس.. وقد بدأ أحمد بن عبدالواحد العبدالواحد وشقيقه عبدالله تجارتهما ببيع الأرزاق في سوق الدمام القديم «المعروف حالياً بسوق الحُب»، إذ كانت هذه المنطقه هي البدايه الأولى للدمام، وكانت تضم السكن وبعض المحلات التجاريه الصغيرة، ومن بينها محل العبدالواحد، الذي استمر فيه عدة سنوات، ليبدأ الأبناء صنعة أخرى هي بيع الأثاث، بعدما سلَّم الأب مهام التجارة لأبنائه.

يتوسط ابنيه عبدالواحد ومحمد وأحد الأحفاد

الولادة والنشأة

أحمد العبدالواحد في شبابه

ولد أحمد بن عبدالواحد العبدالواحد العباسي عام 1900 في مدينة البديع بالبحرين، حيث تجمع الدواسر ومنطقتهم قبل الرحيل للدمام وإنشاء هذه المدينة على ساحل الخليج العربي، وكانت أسرة العبدالواحد من بين الأسر التي نزحت مع قبيلة الدواسر إلى الدمام، وقد شاركت هذه الأسر في نشأة الدمام.

توفي والده وهو في السابعة من عمره، ودرس في الكتاتيب حيث تعلم القراءة والكتابة والحساب وعلوم الدين والقرآن، وكان محباً للقراءة في أمهات الكتب الدينية والأدبية والتاريخ.

تكفَّل منذ صغره برعاية أسرته، حيث تحمَّل عبء الأسره وهو في سن مبكرة.

الدمام والبدايات

انتقل وشقيقه عبدالله الذي يصغره للدمام، وبدأ حياته العمليه لدى محمد الخان، وقد كان موهوباً بالأعمال الحسابيه والتجارية التي تتطلب مهارات فردية تميَّز بها، وأضاف إلى مهاراته تجربة ثرية في عالم الأعمال، وإن كانت حينها بسيطه وقليله إلا أنها أثرت مواهبه وصقلتها، مما جعله يوظف ذكاءه ومهاراته الفطريه في كل عمل يسند إليه، ومع توفر هذه الإمكانات الإدارية والحسابيه لدى أحمد العبدالواحد، اتجه إلى دخول مجال المال والأعمال، وترك العمل أجيراً عند الغير، إذ رأى أنه أولى بهذه الإمكانات من غيره ليوظف مواهبه الفطرية وخبراته الشخصيه في بناء نشاط خاص، فعمل في مجال خياطة الثياب، حيث بدأ حياته العملية خياطاً إلى جانب اثنين من الخياطين، هما سيد محمد نور وصديق في سوق الدمام البسيط، فيما بدأ أخوه عبدالله في محل لبيع المواد الغذائيه أو ما يُعرف بـ «الأرزاق»، وهو النشاط الرائج في ذلك الوقت، حيث احتياج الناس الأول والأهم، وبدأ أول محل له في سوق الحُب بالدمام والذي لا يزال قائماً مع اختلاف أنشطته عن السابق، وقد كبر المحل ونمت التجاره، فأصبح يزوِّد إمارة المنطقة الشرقية ــ بعد انتقالها إلى الدمام من الأحساء ــ بالمواد الغذائية، حيث اعتمد مطبخ الإماره على محل العبدالواحد كمورد رئيس للمواد الغذائيه المختلفة، التي كانت تستورد من البحرين، حيث تُعد محطة تجارية تُجلب إليها البضائع من مختلف أنحاء العالم.

في جلسة عائلية

إمارة المنطقة الشرقية

لم تكن علاقة أحمد العبدالواحد وأخيه عبدالله بإمارة المنطقة الشرقية علاقة تاجر بمطبخ الإمارة فحسب، بل كانت توكل إليهما مهام كثيرة تخص الإمارة، وقد اشتهر أحمد العبدالواحد بالفطنة والكياسة وأخلاق التاجر الأمين، وفي مقدمتها الصدق والأمانه، فكسب بهذه الصفات ثقة الجميع، وفي مقدمتهم الأمير سعود ابن عبدالله بن جلوي أمير المنطقة الشرقية ـ آنذاك ـ الذي كلفه بمهمة التعريف بأبناء الهولة.

وعلاوة على ذلك كان أحمد العبدالواحد أحد أعضاء هيئة النظر لحل النزاعات التجارية في الإمارة بحكم عمله بالتجارة، فقد كان محبوباً ويحظى باحترام المجتمع، وهذه مهمة اتفق الناس عليها ومنحوه ثقتهم فيها، وكانوا عندما يلجأون إليه لحل نزاع ما يخرجون بكل الرضا والقبول، وفيما كانت إمارة المنطقة الشرقية تسند لأحمد العبدالواحد حل المشكلات الناتجه عن الأمور التجارية في الغالب، كانت تسند لأخيه عبدالله كثيراً من الأمور. وقد منحه الأمير سعود بن جلوي ثقته كما منحها لأخيه أحمد من قبل، وكان كل منهما يقوم بمهمته التي أوكلت له.

العبدالواحد مع عبدالرزاق قنبر الانصاري

لم يكن وشقيقه عبدالله بحاجة إلى الوظيفة وكانا يقومان بتكليفات الإمارة تطوعا وخدمة للمنطقة

كيف تحوَّل بيت العبدالواحد إلى محطة «ضيافة» لزوَّار المنطقة لإنهاء أعمالهم الخاصة أو القادمين للعلاج

العبدالواحد والأثاث

الدخول في عالم الأثاث والتحوُّل من مهنة «الخياطة» التي كان يمارسها أحمد، وتجارة المواد الغذائية التي كان يتولاها أخوه عبدالله، كانت فكرة الأبناء.

فقد اقترحوا هذه الفكره التي كانت تجارة جديدة على السوق آنذاك، فبدأ أحمد العبدالواحد في العام 1955م بتطبيق فكرة الأبناء، وبدأها في المقر الحالي لشركة العبدالواحد بشارع الظهران بالدمام، بالقرب من إمارة المنطقة الشرقية، وكان المحل عبارة عن معرض صغير ومنجرة متواضعه لتصنيع الأثاث، في نفس الموقع، وتطور العمل في تجارة الأثاث، حتى كبر وجاءت فكرة استيراد الأثاث من خارج المملكة لمواجهة الطلب على قطع الأثاث من غرف نوم وكنبات وطاولات وغيرها من الأثاث الحديث، فكانت بداية الاستيراد من سوريا، وبعد أن نما هذا النشاط وأصبح تجارة جيدة، اتجه العبدالواحد إلى استيراد الأثاث من الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من الدول الأوروبية ليؤسس مرحلة جديدة في مسيرته الاقتصادية التي بدأها بتجارة المواد الغذائية، وانطلق في تجارته الجديدة ثم اتجه إلى تصنيع الأثاث محلياً، فأنشأت مجموعة العبدالواحد مصنعاً للأثاث على أعلى التصاميم والمستويات العالمية، وأصبح اسم «العبدالواحد» من أبرز الأسماء التجارية في هذا المجال، إذ تميزوا بأنهم الوحيدون الذين يبيعون منتجاً وطنياً بعد أن أوقفوا استيراد المفروشات والأثاث بكافة أنواعها وأقاموا مصنعاً متكاملاً للأثاث في منطقة الخالدية بالدمام، يقوم بتصنيع كافة أنواع الأثاث الذي تتطلبه المنازل من فلل وشقق وقصور. وتزامنت إقامة المصنع مع تخصيص معارض كبيرة لعرض تلك المنتجات فيها فكان مجمع العبدالواحد للأثاث والواقع على شارع الملك سعود بالدمام، والذي كان في السابق مزرعة العبدالواحد، ليؤسس مرحلة جديدة في مسيرته الاستثمارية والاقتصادية، ويقيم مجمعاً للمفروشات على أحدث الطرز العالمية، إلى جانب بعض الاستثمارات العقاريه والمتمثلة في عمارتين بسوق الحب في الدمام وبعض العقارات الأخرى كالمزرعة التي تحولت إلى مجمع تجاري، وآخر سكني للعائلة كاستثمار عقاري، ويطلق عليه العقاريون الابن البار.

مع ابنه محمد
مع أولاده وأحفاده عبد السلام ومحمد وعبدالواحد وخالد وطارق وماجد محمد الحفيد وعبدالرحيم

بيت العبدالواحد

أصبح بيت أحمد العبدالواحد محطة ضيافه للقادمين من خارج المنطقة الشرقية، سواء من دول الخليج أو غيرها، فكان مجلسه مفتوحاً للجميع بشكل يومي لاستضافة القادمين للدمام أو المارين بها لإنهاء أعمالهم الخاصة أو القادمين للعلاج، وكذلك الذاهبين للبيت الحرام للحج أو العمرة أو زيارة المسجد النبوي من مختلف دول الخليج العربي فيستقبلهم بمجلسه حتى ينتهوا من قضاء أعمالهم أو مواصلة سفرهم، فكان لا يأكل إلا مع ضيوفه، وهذا من كرمه وحرصه على ضيوفه سواء القادمين من خارج المنطقة أو من داخلها. وعلاوة على كرمه كان أحمد العبدالواحد شخصية محبوبة في وسطه الاجتماعي، ونموذجاً في التعامل والتواصل، فقد اشتهر عنه أنه قوي الصلة بأقاربه ومعارفه، ولا ينتظر من أحد أن يصله، بل كان هو الذي يبادر إلى التواصل والزيارات العائلية، وكان سباقاً لحضور المناسبات الاجتماعية وعيادة المرضى وحضور مناسبات الأفراح والعزاء.

وفي مجال أعمال الخير، لم يكن أحمد العبدالواحد يتردَّد في التفريج عن المعسرين والمحتاجين، وكانت له مساهماته المعروفة والمخفية في أعمال البر، ودعم الجمعيات الخيرية. وهكذا كانت سيرته مليئة بأعمال الخير والبر والإحسان.

مع بعض الأصدقاء والأحفاد

أسرة أحمد العبدالواحد

رزق أحمد بن عبدالواحد بستة عشر من الأبناء، ذكوراً وإناثاً، من زوجتين، هم: عبدالواحد، ومحمد، وعبدالرؤوف، ويوسف، وعبدالعزيز، وعبدالسلام، وطارق، وخالد، ومحمود، وعبدالرحيم، وست بنات.

وفاته

بعد تاريخ حافل بالعطاء والبذل والجد والاجتهاد غيَّب الموت أحمد العبدالواحد، تاركاً وراءه إرثاً كبيراً من محبة الناس والذكرى العطره التي لاتقدَّر بثمن، وكانت وفاته في يوم 17/3/1411 الموافق 6/10/1990.

رحمه الله رحمة واسعة وجعل ما قدَّمه من أعمال الخير في ميزان حسناته.

اقرأ أيضا

محمد علي زينل .. سلطان اللؤلؤ وصديق الفقراء... الملك عبدالعزيز فرض رسماً جُمركياً %1 على واردات المملكة لصالح مدارس الفلاح أسّست أسرة «زينل» أول شركة تجارية في جدة وحصلت على سجل تجاري «رقم 1» في المملكة انهارت أسواق اللؤلؤ الطبيعي نتيجة انتش...
الشبيلي.. حارس التاريخ والتراث والهُوِيّة... شارك في تحديث مجلة "الاقتصاد" وساهم في باب "رجل وزمان" وأسهم في اقتراح شخصياته بائع التمور في عنيزة الذي أصبحَ مدير التليفزيون السعودي وحاز من الملك سلمان 2017 وسام الملك عبد العزيز من الدرجة الأول...
المعلمي .. «الفريق» الأديب! هو ابن تهامة عسير، الذي أثبت تفوقاً في طفولته شهد به الجميع، وهو التفوق الذي أثار إعجابَ زملاء الطفولة، كما استفزّ حسدَ مبغضيه. أحبَّ النظام والانضباط وخدمة الناس فأحب «العسكرية»، واستحوذت الخطابة على...
العريفي.. الطريق من حائل إلى الدّمّام يَمُرُّ ببغداد والشّام... عندما نقول «العصامي» فكأننا نقصد ــ مباشرة ــ رجل الأعمال السعودي الراحل محمد العريفي.. هذه قصة حياة يتيم، تُوفّيَ عنه أبوه في الثانية من عمره، وكفله جده لأبيه، وفي حائل تعلم معه التجارة منذ العاشرة، ...

الردود (1)

  1. الحمد لله رب العالمين، بلادي تستاهل كل الخير والحب والوفاء، الله يرحمهم و المسلمين اجمعين و يبعد عن الوطن كل حاقد و حاسد.

    (ابوعبدالواحد)

تم إيقاف المشاركات