مفتاح

الاستثمار الخارجي.. صناعة الترس

تتوالى نتائج وآثار تصحيح مسارات الاقتصاد الوطني، تصحيحاً يجري على ضوء خريطة مشروع التحوُّل، وتحت مظلة رؤية 2030، إذ أصبح للاقتصاد السعودي «هوية» جديدة ومستهدفات استراتيجية تعبر الحدود وتتعدَّى نطاق الجغرافيا الوطنية.

الاستثمار في الخارج جاء ضمن سياسات الاقتصاد السعودي الحديث المبني على التفاعل مع المعطيات الحديثة في صناعة الاستثمار، وبناء جسور المصالح، واستغلال الفرص خارج البلاد، واعتماد آليات الاستثمار الدولي، ومعايير اقتصاد المستقبل.

سجِل المملكة الأخير يحمل مؤشرات إيجابية تلفت انتباه المختصين إلى حجم القوة الاستثمارية السعودية في الخارج، وأصبح استثمار الحكومة والمستثمرون السعوديون في طليعة قوائم المستثمرين في كل البلدان، وبشتى المجالات والقطاعات. مالياً على سبيل المثال، بلغت استثمارات السعودية في الخارج نحو 415.4 مليار ريال في نهاية الربع الأول من العام الجاري مسجلة ارتفاعا قوامه %4.9.

السياسة الاقتصادية الجديدة باتت تدعم هذا الاتجاه، بحثاً عن مصادر جديدة للدخل الوطني، ضمن استراتيجية «التنمية دون الاعتماد على النفط»، ولكنها في نطاق مستهدف دقيق يعتمد على الاستفادة من طفرات الاقتصاد العالمي في بعض قطاعاته كالتقنية على سبيل المثال، حيث يتولى هذه المهمة حكومياً صندوق الاستثمارات العامة الذي دخل في استحواذات وشراكات عالمية، كالشراكة مع رؤية «سوفت بانك»، وكذلك التملك في قطاع التقنية والاتصالات في شركات كـ «تسلا» و«أوبر» و«بلاك ستون» وغيرها من القطاعات الحيوية، كالقطاع العقاري، الزراعة والأغذية، الخدمات والنقل والبنى التحتية، و الطاقة والصناعات والتعدين.

وحتى على صعيد الاستثمارات المباشرة متعدِّدة المجالات سجلت المملكة حضوراً لافتاً بشهادة المنظمات الدولية، حيث  صنفت منظمة الأونكتاد المملكة ضمن أكبر 20 دولة ذات استثمارات أجنبية مباشرة في الخارج حتى العام 2018، فيما يصف تقرير مناخ الاستثمار بالدول العربية 2019 الاستثمارات السعودية في الخارج بأنها تتمتع بصفتي «الاستدامة» و«التأثير»، مشيراً إلى أن السعودية احتلت المركز الأول بين دول المنطقة العربية.

وإن كان من ملحوظات قد نبديها، فإننا نرى أهمية توسيع نطاقات الاستثمار الخارجي السعودي إلى مجالات أكثر عمقاً ودقة خارج الحدود، ليكتمل مشهد الاستفادة الحقيقية من قدراتنا المالية، وتحويلها إلى قوة ناعمة مؤثرة، من خلال المشاركة الاستثمارية في بناء المؤسسات التعليمية، والمساهمة الاستراتيجية في منظومات الإعلام، والدخول بقوة في مجالات الصحة والطب، وجميعها تنبني على قواعد الأخلاق والقيم النبيلة، بالإضافة إلى الاعتبارات المادية والعائد الاستثماري.

وعلى الرغم من النجاحات والأمنيات الكبيرة على المستوى الخارجي، لم تنس المملكة تهيئة بيئة داخلية جاذبة كان ولا يزال التركيز فيها على زراعة البذرة المثمرة، وذلك عبر رعاية وتنمية وتطوير قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتوفير بيئة حاضنة وممولة للمشروعات الريادية ومبتكري الصناعات وتحفيز شباب الأعمال، وجعلها نموذجاً يحتذى بين نظيراتها في المنطقة التي تتسابق حالياً لطرح صناديق جريئة وبنوك متخصصة وحاضنات راعية للمشروعات الريادية الناشئة، تشجيعاً لهذا القطاع، وتأهيله لقيادة المستقبل الاقتصادي للبلاد. يضاف لذلك الجهود المبذولة على قدم وساق للمضي في مشروعات الخصخصة، في إطار رؤية 2030 لقطاعات وأجهزة الدولة، لكي تتحوَّل من نمطية الأداء العام إلى ديناميكية القطاع الخاص.

السعودية بثرواتها لا تزال مهوى أفئدة العالم من شرقه إلى غربه لاستمالة استثماراتها المتدفقة، ما يتطلب منها أن تستفيد من هذا التوجّه العالمي لصناعة الترس، بقدراتها المالية، وتحويلها لأدوات مؤثرة ناعمة تدعم سياسات المملكة ودبلوماسيتها، وتفرض منطق تفاعل الشعوب والأمم مع بعضها، وتعزِّز مبدأ المصالح المشتركة، متعايشة مع قوانين الاقتصاد المعاصر المتخطي للحدود والعابر للقارات، ومستفيدة من واقع جديد بما يعزِّز اقتصادنا الوطني ويقوي مكانته.