نافذة

حيث ترتاح الطيور

التبشير أو التنصير، من بشارة، بشارة بوجود مخلّص هو المسيح ـ حسب معتقدهم ـ وهو الظاهرة التاريخية التي اعتنق فيها الأفراد المسيحية أو اعتناق بعض الشعوب للمسيحية، والمتتبع لنشاط البعثات التبشيرية الكنسية وتاريخها في البلدان الفقيرة، يجد أن برنامجهم دقيق جدا في كسب المحتاجين والجياع وغير القادرين على الكسب.

فلو بحثنا عن جملة “سوب كيتشن Soup Kitchen” لوجدناها تعني مطبخا للحساء “الشوربة”، وهي شوربة مغذية لا تكلّف الكنيسة الكثير، وتُقدّم مجانا في أوقات محددة من المساء أو الظهيرة، ويصطف المحتاجون من جياع وأطفال الدول الفقيرة لينالوا حصتهم اليومية.

أقصد أن أقول إن البرنامج بدأ بالقليل المعقول، وما تحتاجه الأجسام البشرية من سعرات طاقة. لم تبدأ بطرق ومدارس ومطارات وجسور وترع مياه ومكائن ريّ، بدأت بمعدة الإنسان وصحته وغذائه. يأتون بعد ذلك إلى عملية التزويد بالمياه الصالحة للشرب، وهم ـ فيما بين ذلك ـ يبشّرون ويبلغون ويعظون، ويمارسون فن إلقاء المواعظ، قبل أن يدعوا لصلاة وقداس الأحد.

الذين بدأوا بمطبخ شوربة مجانية واصلوا المسيرة إلى مدارس ومستشفيات ودور حضانة تموّل نفسها، إضافة إلى ما ينالونه من تبرعات جزلة من الأثرياء والكنائس، ولو لاحظنا أن المدارس والمستشفيات جرت هندستها الإنشائية لتخدم أغراضا أخرى، كالإيواء في حالة الكوارث والحروب، فتجد عنابر النوم في المدارس الداخلية المعانة من البعثات التبشيرية يمكن تحويلها إلى مستشفيات في وقت قصير جدا عند الحروب أو الكوارث. زرت واحدة من تلك المدارس في تايوان، ولا يواري المشرفون هذا النهج.

كذلك عند قراءتنا لتاريخ الخليج العربي، أو البلاد العربية كلها، نجد أن بعثات التبشير اتجهت نحو فتح مدارس ومستشفيات “مستشفى البعثة الـ … في …” لأننا آنذاك لم نكن بحاجة إلى “مطبخ شوربة”، لكن بلدان إفريقيا وجياعها يحتاجون إلى الأخير.

وفي ذهني الآن رجل فاضل ـ وهو طبيب ـ من دولة الكويت هو المرحوم الدكتور عبدالرحمن السميط، صاحب البدايات الخيرية المدروسة في إفريقيا، فبعد عمله في وزارة الصحة الكويتية أراد الدكتور السميط أن يزاول العمل الخيري، فلم يجد في دوائر الحكومة إلا الروتين الممل، فما كان من إحدى المتصدقات إلا أن أوكلت إليه بناء مسجدٍ في ملاوي، وهناك بدأت رحلته مع العمل الخيري، وأسلم على يديه أكثر من 7 ملايين، وحفر حوالي 9500 بئر ارتوازية في القارة الإفريقية، وأنشأ أربع جامعات و204 مراكز إسلامية، وهو أحد الحائزين على جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام.

أصل إلى سلامة الرأي القائل بأن كسب قلوب الناس نحو فكرة أو دين أو مشروع لا يحصل إلا عن طريق كسب قلوب وعاطفة أهل الحاجة وليس الأنظمة، وأن الجبهة الداخلية هي قطب الجذب، وعن طريقها يكسب الرأي وجاهته، فلم يعد الإعلام وحده، ولا كسب دائرة النظام ذات جدوى حتى يومنا هذا.