رجل وزمان

صالح العطيشان
أمير المحايدة.. حارس الحدود

امتلك ناصية البيان وجمال الخط فظل في الوظيفة ربع قرن

أثر فيه الملك المؤسس في مشوار حياته واكتسب منه حب التضحية لخدمة وطنه

افتتح محلا تجاريا لتجارة وبيع الملابس لكن الوظيفة خطفته ليعود للعمل الحكومي

افتتح أول مدرسة ابتدائية وأول مدرسة ليلية لتعليم الكبار في المنطقة المحايدة

كرس حياته للعمل الحكومي، رغم طموحه في العمل التجاري، الذي لم يمارسه سوى سنتين من عمره، فالوظيفة الحكومية طاردته حتى أصبح رهينا لها، يساعده في ذلك معرفته وإلمامه بالوظيفة التي مارسها مطلع شبابه، حتى أصبح مطلبا لولاة الأمر لثقتهم فيه، ومعرفتهم بسداد رأيه، وتمكنه من عمله، في وقت تشح فيه الكفاءات الإدارية، الأمر الذي جعل صالح العطيشان مطلبا لولاة الأمر، لشغل العديد من المناصب الإدارية في عدة مناطق، ليقضي ربع قرن من الزمن في خدمة وطنه، ترجل بعدها ليتفرغ لنفسه وحياته الخاصة، مع الاستعداد للعودة للعمل كلما قضت الحاجة في المشورة وإبداء الرأي في منطقته ومسقط رأسه القصيم.

مع رئيس أرامكو

الولادة والنشأة

قدر لصالح العطيشان أن يولد بعد وفاة والده، الذي غادر لطلب الرزق في العراق والشام، ففي عام 1334هـ 1914م، ولدته أمه وأسمته صالح، بناء على رغبة والده الذي طلب هذا الاسم من أمه قبل مغادرته. وعاش في كنف والدته يتيما، وترعرع متنقلا بين سكنهم في بريدة ومزرعتهم في خب العريمضي، ضمن الخبوب الواقعة غرب بريدة. وتمر السنوات دون أن يرى أخويه محمد وتركي اللذين يكبرانه بسنوات، واستقر بهما الحال في منطقة الحجاز، وبعد أن بلغ صالح العاشرة من عمره وتعلم على أيدي المربين الأوائل في بريدة القراءة والكتابة وبعض علوم الدين طلب أخويه من والدتهم الانتقال إلى جدة، حيث كان محمد مديرا لشرطة جدة، وتركي رئيسا لمركز شرطة الرويس بجدة، ليلتئم شمل العائلة من جديد، ويدخل صالح مدارس الفلاح بجدة، وبعد أن قضى وقتا قصيرا فيها، التحق بأول عمل حكومي له فعمل كاتبا بشرطة جدة.

زيارة الملك سعود لرأس تنورة بحضورالامير سعود بن جلوي

الحياة العملية

بعد أن التحق صالح بمدارس الفلاح وقتا من الزمن والتمكن من حصيلة علمية لابأس بها، التحق بشرطة جدة مع أخويه محمد وتركي، ليبدأ مشواره العملي في خدمة وطنه، وكان لجودة خطه وحسن صياغته دور كبير في التحاقه بالعمل في الشرطة، حيث كان المدقق الرسمي للمعاملات والمسئول عن تبييضها، وهو ما يعرف بالنسخ النهائي حيث لا توجد مكائن للطباعة والنسخ، وبقي في شرطة جدة حتى صدر أمر الملك عبدالعزيز بانتقال شقيقه الأكبر محمد إلى الرياض، وتأسيس شرطة الرياض، وجاء صالح برفقة شقيقيه محمد وتركي، وعملوا جميعا بشرطة الرياض، وعين صالح بوظيفة محاسب ومسؤول عن الجوازات، إضافة إلى تكليفه بتأسيس اللجان الخاصة بتجنيد أبناء البادية للانخراط بالعسكرية، حيث كان يصاحب الفرق للصحاري لنفس الغرض، بعد ذلك تم اختيار صالح العطيشان ليكون رئيسا لشرطة القصر الملكي الخاص بالملك عبدالعزيز، وقد أثر قربه من الملك المؤسس في مشوار حياته، وزرع فيه حب التضحية لخدمة وطنه، وكان خلال هذا العمل يرافق الملك عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير سعود بن عبدالعزيز في المناسبات الرسمية والزيارات والأعياد، وفي تنظيم المواكب الرسمية، التي كانت تقام باصطحاب الخيول العربية الأصيلة، كما كانت تسند إليه بعض المهام الرسمية من قبل الملك وولي عهده.

الأعمال الحرة

كغيره من أبناء منطقته والذين يفضلون العمل التجاري على الوظيفة، اتجه صالح إلى عالم التجارة، لقناعته أنها الأفضل ـ بعد توفيق الله. وبدأ تجارته بافتتاح محل تجاري في سوق أهل أشيقر المعروف بالرياض، نسبة الى أبناء أشيقر في منطقة الوشم، وبدأ بما يعرف بالدكان في تجارة وبيع الملابس والبشوت والزل وغيرها من البضائع الأخرى، وكون اسما تجاريا معروفا، إلا أنه لم يستمر في تجارته لزمن طويل، فعين الحكومة ما تزال تنظر إليه، وكأنه خلق للعمل الحكومي فقط على نهج أخويه محمد وتركي.

في زيارة لشركة أرامكو

وفي إحدى زياراته لوالدته بالمنطقة الشرقية، وفي أحد المساءات قال له شقيقه تركي ما رأيك أن نذهب للسلام على أمير المنطقة الشرقية الأمير سعود بن جلوي حينها، ووجدها فرصة، ولم يكن صالح يعلم أن هناك اتفاقا مسبقا فيما بين الأمير سعود وأخيه تركي على هذه الزيارة المخطط لها لهدف معين، وبعد أن تناولوا القهوة عند الأمير سعود استأذن تركي في الانصراف، لكن الأمير طلب من صالح البقاء لأنه يريده في موضوع، وتواردت الأفكار في رأسه، ماذا يريد منه الأمير؟ وقال له الأمير سعود أنت ومحمد وتركي ما يقال لكم العطيشان، أنتم آل جلوي، فقال له صالح تسلم يا طويل العمر نحن في خدمتكم، فرد الأمير قائلا نريد أن نرسل تركي في مهمه لمدة أشهر، ونريدك في مكانه، ورغم أن صالح كان قد حقق نجاحا في تجارته بالرياض، إلا أن الأمر جاءه من الأمير سعود بن جلوي للالتحاق بالعمل الحكومي وما عليه إلا التنفيذ بعد تصفية أعماله التجارية، وتم ذلك وأسند إليه أول عمل حكومي بالمنطقة الشرقية، وهو مدير الهيئة الملكية للمشاريع الحكومية في المنطقة الشرقية، والتي تعنى بالإشراف على تنفيذ المشاريع الحكومية من مدارس ومساجد وإدارات حكومية وغيرها من المشاريع قيد الإنشاء، وكان صالح العطيشان يشرف عليها ويتابع تنفيذها بشكل شخصي، واستمر في هذا العمل حتى أسندت لشقيقه تركي قضية البريمي الذي كان يشغل منصب أمير رأس تنورة آنذاك.

مع مدير بلدية الخبر آنذاك عبدالرحمن بن شعوان

رأس تنوره

بعد توجه أخيه تركي إلى البريمي واستلام هذه القضية، تسلم صالح العطيشان مهامه أميرا لرأس تنورة، كموقع حيوي مهم، حيث تحتضن هذه المدينة الميناء الرئيسي والوحيد لتصدير البترول، وهي من أهم أعمال شركة أرامكو، إضافة إلى إشرافه على الهيئة الملكية للمشاريع الحكومية. وكان الأمير سعود بن جلوي يرى أن صالح العطيشان هو الرجل المناسب والشخصية المناسبة لهذا المنصب الذي تولاه عام 1371هـ كما ترأس عددا من اللجان وترأس الهيئة الملكية لشئون العمال، وكان يرافقه في الأعمال الموكلة إليه كل من قائد خفر السواحل بالمنطقة الشرقية اللواء عبدالعزيز بن رشيد، ورئيس بلدية الخبر الشيخ عبدالرحمن الشعوان، واستمر صالح العطيشان أميرا لرأس تنورة والأعمال الأخرى الموكلة إليه لمدة عشر سنوات كان خلالها محل ثقة ولاة الأمر حتى انتقل إلى مكان آخر في خدمة وطنه.

جولة في شركة ارامكو براس تنورة

المنطقة المحايدة

بعد أن قضى صالح العطيشان عشر سنوات أميرا لرأس تنورة، صدر قرار الأمير سعود بن جلوي بتعيينه أميرا على المنطقة المحايدة الواقعة على الحدود السعودية الكويتية، والتي تعد من المناطق الغنية بالبترول، ويعمل بها عدد من شركات البترول العالمية، واستلم صالح مهام عمله عام 1379هـ 1960م، وقد جعل العطيشان توفير الخدمات لسكان المنطقة من أولويات أعماله من صحة وتعليم وتخطيط سكني.

ففي عام 1384هـ تم افتتاح أول مدرسة ابتدائية تلاها إيجاد مدرسة ليلية لتعليم الكبار وتوالت الخدمات بالمنطقة المحايدة حيث تم اعتماد أول مخطط سكني للمواطنين في مناطق ميناء سعود والخفجي وتوزيع القطع السكنية على المواطنين وتوفير الخدمات الضرورية لهم، كما أولى توفير الفرص الوظيفية للمواطنين في الشركات البترولية العاملة بالمنطقة، وكان للعلاقات المميزة لصالح العطيشان بتلك الشركات كبير الأثر في توفير الفرص الوظيفية للمواطنين، وكان له دور كبير في بناء مستشفى صغير بالمنطقة لخدمة سكانها.

وفي مجال ضبط الحدود كان لصالح العطيشان اهتمام كبير ومراقبة شخصية أحيانا إذا استدعى الأمر ذلك، لحمايتها من المهربين حيث كان التهريب وقتها منتشرا بكثرة من الكويت، فهناك تهريب التبغ وكذلك تهريب الكثير من البضائع مثل الأجهزة الكهربائية هربا من دفع الرسوم الجمركية.

الزيارات الرسمية للمحايد

حظيت المنطقة المحايدة بالعديد من الزيارات وعلى أعلى المستويات، وكان أهمها الزيارة التاريخية لجلالة الملك سعود بن عبدالعزيز والتي كان معه فيها سمو أمير دولة الكويت آنذاك الشيخ عبدالله السالم الصباح، وقد تشرف باستقبالهم صالح العطيشان وسط استقبال جماهيري كبير، كما حظيت المنطقة ذات الأهمية الاقتصادية بزيارات كثيرة من قبل المسئولين في المملكة ودولة الكويت، وكانت المنطقة تحظى باهتمام أمير المنطقة الشرقية الأمير سعود بن جلوي، ونائبه الأمير عبدالعزيز بن سعود بن جلوي والعديد من مسئولي المنطقة الشرقية.

وحظي صالح العطيشان خلال تسلمه إمارة المنطقة المحايدة بعلاقات مميزة مع العديد من حكام دولة الكويت وأبناء الأسرة الحاكمة فيها، كما كانت تربطه علاقات مماثلة مع عدد من رجالات الكويت ووجهائها ورجال الأعمال فيها، وكان حريصا على التواصل معهم بهدف تنمية التجارة بين البلدين خاصة في هذه المنطقة.

الترجل من الوظيفة

بعد تقسيم المنطقة المحايدة بين السعودية والكويت، رغب صالح العطيشان في ترك الوظيفة والتفرغ لحياته الخاصة، وتقدم باستقالته لأمير الشرقية الأمير سعود بن جلوي منهيا 25 سنة من الخدمة الوظيفية تنقل خلالها في العديد من الوظائف والمناصب الحكومية، تفانى فيها بتقديم أفضل خدمة لدينه ومليكه ووطنه.

الحياة الخاصة

بعد ترجله من العمل الحكومي فضل صالح العطيشان أن يستقر في مسقط رأسه القصيم، وقام بشراء مزرعة في بريدة وخلال وجوده بالقصيم، نشأ بينه وبين أمراء المنطقة علاقات حميمة، وقد كلفه أمير القصيم حينها الأمير سعود بن هذلول بن ثنيان آل سعود برئاسة الجمعية الزراعية بالقصيم لفترة، ثم تفرغ للعمل بمزرعته والقنص أيام الشتاء، وكلف من قبل أمير القصيم الأمير فهد بن محمد بن عبدالرحمن الفيصل بعضوية لجنة الأهالي بالقصيم، وارتبط بعلاقات مميزة مع جميع الأمراء الذين توالوا على إمارة منطقة القصيم، وكان آخرهم صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن بندر بن عبدالعزيز الذي ظل محافظا على علاقته معه حتى وفاته.

أبناؤه

أنجب صالح بن عبدالله العطيشان ثمانية أبناء هم: عبدالله، منصور، سعود، عبدالرحمن، فهد، سلمان، محمد، ومساعد وعدد من البنات وذلك من عدد من الزيجات.

وفاته

بعد مشوار طويل حافل بالعطاء الوطني ترجل الفارس، تاركا خلفه إرثا قيما من السيرة، التي تجلت فيها خدمته المميزة إبان توليه العديد من المناصب في مختلف قطاعات الدولة الأمنية، وفارق الحياة ولم يجمع من حطام الدنيا سوى مسكنه ومزرعته في بريدة حيث توفي عام 1416هـ الموافق 1995م رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه جناته.