مفتاح

كورونا والاقتصاد العالمي

في مستجد لم يكن في الحسبان، داهم فيروس كورونا معظم دول العالم، مُهدّدا الاقتصاد العالمي، بتراجع عملية النمو، بعد أن كان العالم قد التقط أنفاسَه، وراح ينظر بارتياح إلى تهدئة تجارية بين الصين والولايات المتحدة أبرمت اتفاقيتها الأولية في الشهر الماضي.

كورونا لم يعد تفشيا بسيطا في بؤرة معينة، بل أصبح مهددا للتفاعل الاقتصادي الدولي، وانعكست تداعياته بشكل واضح في أسعار النفط والطاقة، وأسهم في خفض الإنتاج، وتضاؤل الحركة التجارية والاستثمارية، وتعطيل المشروعات وعرقلة الخطط، بعد تنامي مؤشرات تفشي الفيروس في كل القارات.

التقديرات الدولية بشأن النمو الاقتصادي العالمي تأثرت إلى حد كبير بحركة الفيروس وخريطة انتشاره، فعلى الرغم من توقعات صندوق النقد الدولي بنمو يبلغ %3,3 للاقتصاد العالمي ــ بتراجع طفيف جدا للنمو بنحو %0,1، بدلا من %3,4 في العام الحالي ــ إلا أن تقديرات OECD (منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، التي تضم 34 دولة على رأسها الولايات المتحدة) جاءت مواكبة لأجواء التشاؤم، متوقّعة نموا للاقتصاد العالمي بنحو %2,4 فقط.

اجتماعات العشرين في العاصمة الرياض لم تكن بمنأى عن تداعيات الوباء “العالمي”، وانتشاره، بل هيمنت أنباء “كورونا” على المناقشات الوزارية الأولى للمالية والبنوك المركزية، وعده البيان الختامي مهددا حقيقيا للنمو الاقتصادي العالمي، ما يعطي إشارة بخطورة الموقف.

وعلى الرغم من الأجواء التي يشيعها “الفيروس” عالميا، خصوصا في الأوساط الاقتصادية، إلا أن الاقتصاد السعودي لديه مساحة أوسع لـ “التفاؤل”، وفي هذا المجال، كشفت لنا ما انتهت إليه أولى اجتماعات مجموعة العشرين ــ على المستوى الوزاري، الشهر الماضي في الرياض ــ أن رؤية المملكة 2030، لم تكن مجرد أحلام مأمولة أو خطوط عريضة لمشروع تحول، بل إنها مشروع تقدمي للتنمية والنهضة الاقتصادية.

وكان اجتماع وزراء مالية ومحافظي البنوك المركزيـة، في أكبـر عشرين اقتصـاداً بالعالم، قد تناول ملفات أبرزها الضريبة والتحول التقني العالمي الذي أدى إلى مستحدثات الرقمنة وتداخلاتها الضليعة في الاقتصاد، لتضاف إلى موضوعات الشمول المالي والسياسات النقدية وممارسات دفع النمو الاقتصادي.

وفي خضم هذه الملفات الحيوية، نجد أن الاقتصاد السعودي، ومنذ قرابة ثلاث سنوات، استدرك الذهاب تجاه الرسوم والضرائب باعتبارها خيارا استراتيجيا بهدف تدعيم ذاتية الاقتصاد وتخليصه من عبودية المصدر الواحد، وجاءت ممارسة المملكة في الملف الضريبي على أعلى المعايير، من حيث اختيار الهدف الضريبي، وفرض الرسوم على الشرائح المستهدفة، بما يتواءم مع متطلبات الاقتصاد الوطني، وتجنب الإخلال بالتوازن العام، وتعزيز خيار التوطين، فاتجهت “السياسة الضريبية” بشكل تدريجي إلى السلع والمنتجات الانتقائية. وها هي الإيرادات غير النفطية تدر على الدولة عوائد بما يفوق 203 مليارات ريال خلال العام الماضي، تمثل مستحصلات ضريبية من الدخل، والمكاسب الرأسمالية، والسلع، والتجارة، والضرائب الأخرى.

وأما السياسات المالية والنقدية في البلاد، فهي مضرب المثل على صعيد التوازن المرهون بالتخطيط والقياس؛ فبالرغم من ضغوطات أسواق النفط، وتضاؤل الدخل المتأتي منه، تستفيد المملكة من سوق الدين، متكئة على أصول صلبة وقوة مالية ومدخرات أجنبية عالية، كما أن السياسات النقدية الداخلية كشفت عن نضجها الأزمات الاقتصادية الدولية في طليعتها الأزمة العالمية 2008 التي طالت آثارها جميع الاقتصادات واعتبرت حينها منظمات عالمية السياسة المالية والنقدية السعودية من الأكفأ والأكثر حصافة عالميا.

وفي شأن الشمول المالي والتقني التي أوصى بها الاجتماع، تعد السعودية من أوائل الدول عالميا في تبني مشروع الرفع من شمول الخدمات المالية لكل شرائح المجتمع، بما فيها المرأة والشباب، وسط تشديداتها لاستخدام التعاملات المالية والتحويلات إلكترونيا في شتى المعاملات الحكومية وما يتعلق بها من رواتب ورسوم وخلافه. كما تبنت مشروع البيئة التجريبية لانطلاق مشروعات التقنية المالية وشركات الدفع الرقمي، وفتحت سوقاً لنشاط أنظمة المدفوعات.

ويستند برنامج تطوير القطاع المالي المنبثق من (رؤية المملكة 2030)، إلى التحول الداعم لتمكين تقديم الخدمات المالية، بما يعزز تطلعات الاقتصاد الوطني، فيما يتعلق بمعدلات النمو، وتحقيق أهدافه الاستراتيجية بدعم الشمول المالي، والاعتماد على التقنية في مجال المدفوعات للحد من التعامل بالنقد، وكل ذلك وغيره من تطلعات تسعى حكومة خادم الحرمين الشريفين ووليّ عهده إلى تحقيقها في ضوء ساطع من “رؤية السعودية 2030″، وصولا بالمملكة إلى موقعها اللائق في مقدمة النظم الاقتصادية في العالم.