نافذة

حقائق اقتصادية غائبة أم مُغيبة؟

فلسفة علم الاقتصاد قائمة على منهج التجربة ومدى نجاحها في الوصول إلى الحالة الأمثل لعملية التنمية المستدامة، فالمرونة وعدم التخشب في الأساليب الاقتصادية للأمم صفة ثابتة على مر التاريخ، وهي حالة منطقية، عطفاً على تغير المعطيات في كل مرحلة زمنية، ويمكن التدليل على هذا الأمر من خلال عدم ثبات التطبيقات الاقتصادية المستخدمة في دول العالم مطلع القرن الواحد والعشرين والقرن الماضي، والتي بدورها تعتبر محصلة لما سبقها من تطبيقات نسخت أو عُدلت!. على أن حالة عدم الثبات هذه قد تكون داخل المنهج الاقتصادي نفسه أو من خلال الانتقال لتطبيق مغاير تماماً، أو محاولة الدمج بين تطبيقين متغايرين بدرجات متفاوتة!، فالنظامان الشيوعي والرأسمالي مرا بتحولات مماثلة لحالة عدم الثبات تلك.

فدول شيوعية سابقة تحولت للرأسمالية، ودول مزجت بين المنهجين بتفاوت كالصين وروسيا، ودول رأسمالية في الغرب جربت مبادئ جديدة داخل منظومتها الاقتصادية مؤخراً، كالنظرية الكينزية مع نحوها متى ما تطلب الأمر استخدام بعض التطبيقات المحسوبة عرفاً على النظام الشيوعي، كتأميم بعض المشاريع الخدمية الحيوية وعودتها للحاضنة الحكومية، مثلا بريطانيا أممت السكك الحديدية 2002م بعد تخصيصها عام 1993م، أيضا الصين خصخصت العديد من شركاتها، وتملُك العديد من الحكومات ذات التوجه الرأسمالي البحت للحصص الأكبر في المشاريع والشركات الحيوية داخل بلدانها!. ومن الحصافة القول أن الظروف الحياتية ومتطلباتها هي من يجب أن تحدد طبيعة نوع التجربة الاقتصادية الواجب اتباعها في كل مرحلة زمنية، بغض النظر عن مصدرها الفكري، طالما أنها تحقق التنمية والمصلحة الجماعية!.

وتنقسم اقتصاديات دول العالم إلى عدة فئات ـ متقدمة ونامية وناشئة وضعيفة وفقيرة ـ ورغم أن أطروحات الدول المتقدمة صناعياً ومعرفياً تتحدث بإسهاب عن وجوب التكامل الاقتصادي بين دول العالم، إلا أن هذا الطرح يصبح مضللا إن أسيء فهمه؟! وتم اعتبار أن المقصود من تلك العملية هو نقل التقنية والمعرفة الإنتاجية من الدول المالكة لها باتجاه الدول التي لا تمتلكها، أو محاولة انتشال الدول الأضعف اقتصاداً لمراتب اقتصادية تصاعدية إلى حد الوصول لمصاف الدول المتقدمة! بينما في حقيقة الأمر أن ما تعنيه الدول المتقدمة بعملية التكامل الاقتصادي هذه يتمثل في حرصها على تطبيق وفرض منهج السوق المفتوح الذي يتيح لمنتوجاتها وسلعها الصناعية أن تنتقل بسلاسة ويُسر ودون أية عوائق تذكر باتجاه الدول الأقل تطوراُ باعتبارها وعاء استهلاكياً مستداماً!.

بينما على النقيض من ذلك تتعاطى الدول المتقدمة صناعياً بطريقة مختلفة فيما بينها أو ممن تراه يشكل خطراً عليها أو يؤثر على خططها الاقتصادية أو السياسية، فتلجأ لاستخدام الحمائية ـ تعريفات ورسوم جمركية جديدة أو قيود على السلع القادمة إليها من الطرف الآخر ـ حال شعورها باختلال في ميزانها التجاري أو التعارض مع مصالحها وسياساتها وقتها! ضاربة بعرض الحائط القواعد الاسترشادية التي وضعتها وفرضتها على العالم ـ النيوليبرالية ـ ويمكن أخذ التجاذب في التجارة البينية بين أمريكا والصين من جانب وبين أمريكا وكوريا الجنوبية والاتحاد الأوروبي من جانب آخر كأمثلة صارخة على ما تقدم!.