شركات

“كورونا” عجّل به..
المستقبل لـ “العمل عن بُعْد”!

%78 زيادة في إعلانات الوظائف العالمية على لينكدإن تعكس نمو الاتجاه للمرونة في العمل والتوظيف عن بعد

توقعات بدور رئيسي لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في تخفيف %69 من أعباء العمل للمديرين بحلول 2024

49 مليار جهاز متصل بالإنترنت في العالم 2023 والذكاء الاصطناعي والتقنيات الجديدة تُعزّز “العمل عن بُعْد“

الشركات السعودية الرائدة “إقليمياً” في  التوجه لـ “العمل عن بعد” انسجاماً مع “رؤية 2030“

 

يبدو التوجّه “عالميا”، متنامياً، متصاعداً وكاسحاً.. والشركات الكبرى في العالم تُظهرُ تجاوباً واضحاً، والكثير من الشركات أقدمت عليه، لاعتبارات “اقتصادية”.. والعالم اليوم يتّجه ــ بوضوح ــ إلى “العمل عن بُعْد في ظل انتشار فيروس كورونا وتهديده للاقتصاد العالمي وتحول آلاف الشركات للعمل عن بعد حفاظاً على عدم اختلاط موظفيها وصعوبة الحركة والتنقل”.. ولم يعد هذا الأمر “ظاهرة”، بقدر ما أصبح أحد الأساليب الجديدة في الإدارة لدى الكثير من الشركات المرموقة في العالم.. الدراسات، فضلاً عن التقارير ترصد بالإحصاءات و(الأرقام) تزايد اتّجاه الشركات ــ عالمياً ــ إلى “العمل عن بُعْد”، تقليلا من النفقات، ولأسباب أخرى عدّة.. السعودية كانت “الأسبق” إقليمياً، حيث بدأ التوجّه واضحا في “الغرف التجارية”، خاصة في غرفة الشرقية التي أطلقت برنامجاً ــ منذ أكثر من خمسة عشر عاماً ــ لتبنّي “العاملات من منازلهنّ”، ودعّمت أداءهن عبر برامج تدريبية منظّمة.. وهنا، ترصدُ “الاقتصاد” مستقبل “العمل عن بعد” في المملكة.

جديدة من نوعها، ليس على مستوى الاقتصاد المحلى فحسب، بل على مستوى منطقة الشرق الأوسط والعالم، ولا عنوان للمرحلة أكثر وضوحا من “العمل عن بعد”،  لمواكبة عصر التكنولوجيا، وتحدياته العالمية، وبما يتوافق مع الرؤية المستقبلية 2030، خاصة لفوائده الكثيرة من ترشيد النفقات، واستقطاب الكفاءات وسهولة تواصل الشركة معهم عبر وسائل التكنولوجيا المختلفة، وفي الأغلب عبر تطبيقات الهواتف الذكية والبريد الإلكترونى، حيث أصبحت الوظائف الافتراضية بمسمياتها المختلفة، سواء العمل عن بعد أو العمل من المنزل، من أهم ملامح المستقبل.

ثقافة جديدة

يبدو أن العمل عن بعد، أو من المنزل أصبح توجهاً قوياً للشركات في عصرنا الحالي بعدما أسهمت التطورات التقنية المتلاحقة في نشوء ثقافة جديدة داخل سوق العمل تارة لترشيد نفقات توفير أماكن للعمل وتأثيثها، وأخرى لمساعدة الموظفين على العمل بشكل مرن والتغلب على تحديات الزمان والمكان، وذلك من خلال بيئة عمل إلكترونية يجري من خلالها أداء الوظائف والمهام، دون اشتراط الحضور إلى مكان الشركة، وذلك نظير مقابل مادى متفق عليه، حيث تقوم الشركة بتحويل الأجر للموظف عن بعد، بطريقة متفق عليها، ضمن طرق كثيرة منها التحويلات البنكية.

الظاهرة التي انطلقت من الولايات المتحدة في أواخر عقد التسعينيات من القرن الماضي، انتشرت سريعاً في أنحاء العالم، بعدما وجدت فيها الشركات الكبري ــ قبل الناشئة ــ مميزات كثيرة تتناسب مع تطلعاتها نحو  المستقبل، لاسيما فيما يتعلق بخيار توظيف الكفاءات والمواهب من مختلف أنحاء العالم، دون تكبد مبالغ طائلة في الأجور والانتقالات، ومع ظهور النتائج المبهرة للعمل عن بعد، ووفقا لدراسة صادرة عن “لينكدإن”، فإن أبرز ما يحدد العلاقة بين أصحاب العمل والموظفين، في الوقت الراهن، بات يتمحور حول  المهارات الشخصية والمرونة في العمل والشفافية بالإفصاح عن الأجور.  وعزت الدراسة ذلك إلى الدور الكبير الذي أصبحت  التقنيات الحديثة تلعبه في مستقبل الاقتصاد، وفي تجاوز القيود التقليدية للمكاتب وساعات العمل الثابتة، إذ أصبح الموظفون يتطلعون إلى موازنة حياتهم الشخصية والعملية عبر الاستفادة من المرونة والحرية في العمل في المكان والزمان الذي يناسبهم ضمن حدود المعقول. وقد أشار  أكثر من %65 من أخصائيي التوظيف في الشرق الأوسط وإفريقيا إلى أن المرونة مهمة جداً لمستقبل استقطاب الموظفين والموارد البشرية. وقال %77 من أخصائيي التوظيف عالمياً إن الميزة الأكبر من مرونة العمل تتمثل في تحقيق توازن أكبر بين الحياة الشخصية والعملية، كما تساعد أصحاب العمل على الاحتفاظ بموظفيهم بحسب ما قال %54 واستقطابهم بحسب ما قال %51 وتعزيز الإنتاجية.

ارتفاع عدد المسجلين في البرنامج السعودي لـ “العمل عن بعد” من 3323 في 2017 إلى 5469 في 2018

العاملات يُشكّلْن %98 من عدد المُسجّلين في برنامج ” العمل عن بعد” التابع لوزارة العمل

ارتفاع عدد العاملين “عن بُعْد” في الولايات المتحدة من %9 في التسعينيات إلى %37 مؤخّراً

الأولوية للمرونة

ونظراً إلى أن مرونة العمل أصبحت أولوية كبرى لدى المرشحين للوظائف، يتجاوب أصحاب العمل مع هذا الأمر عبر تسليط الضوء على سياسات العمل المرنة في إعلانات الوظائف. ووفقاً لبيانات لينكدإن فقد شهد العامان الأخيران زيادة قدرها %78 في أعداد إعلانات الوظائف العالمية على لينكدإن التي تشير إلى توفر مرونة في العمل وتوظيف عن بعد.

وترجح مؤسسة جارتنر للأبحاث أن  تلعب تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة ــ مثل المساعد الشخصي الافتراضي، وبرامج المحادثة الآلية ــ دوراً رئيسياً في تخفيف  قرابة %69 من أعباء العمل اليومي للمديرين بحلول العام 2024 وتؤكد أن بإمكانهم القيام بجانب من مهام العمل اليومية في المنزل، بعيداً عن المكاتب التقليدية. وأشارت دراسة “جارتنر” إلى أن السنوات الأربع القادمة ستشهد إعادة تعريف شاملة للدور الذي يقوم به المدير، إذ يحتاج المديرون اليوم لقضاء وقت على أعمال مثل ملء الطلبات، وتحديث البيانات، والموافقة على بعض الإجراءات. لكن في حال أتمتة هذه الإجراءات بالاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي، لن تتطلب متابعة هذه المهام الكثير من الوقت داخل الشركة، وبمقدورهم القيام بها في المنزل، ليتسنى لهم بدلاً من ذلك استثمار هذه الأوقات في مواصلة التعلّم، وإدارة الأداء، ورسم الأهداف. كما يعزز من فرص توجه الشركات نحو “العمل عن بعد” التوسع في استخدام التكنولوجيا حول العالم. ووفقاً لدراسة صادرة عن شركة” سيسكو”، فإنه من المرجح أن يكون هناك ما يقرب من 49 مليار جهاز متصل بالإنترنت بحلول عام 2023،  وأن يشهد العقد القادم استخداماً أوسع للتقنيات المتطورة مثل الواقع الافتراضي والمُعزز وتقنية 16K والذكاء الاصطناعي.

زيادة الفرص الوظيفية

الشركات العاملة السعودية كانت في طليعة الشركات العاملة في منطقة الشرق الأوسط في تجربة التوظيف الافتراضي أو العمل عن بعد خاصة بعد أن اعتمدت وزارة العمل والتنمية الاجتماعية برنامج العمل عن بعد في يناير 2016 بالتعاون مع صندوق تنمية الموارد البشرية “هدف”، تماشياً مع رؤية المملكة 2030، حيث يسعى البرنامج  إلى زيادة الفرص الوظيفية للمواطنات في مختلف مدن ومحافظات السعودية، وفتح مجال العمل في وظائف مناسبة ومستقرة ومنتجة، إذ يمكن للعامل أداء الواجبات الوظيفية باستخدام أي من وسائل الاتصال وتقنية المعلومات. وعلى مدار السنوات الأربع الماضية، قام البرنامج بعرض وظائف رسمية في منشآت القطاع الخاص، لكنها لا تتطلب الوجود الفعلي في موقع المنشأة، حيث يعمل الموظف من المنزل حسبما تحدده المنشآت.

وينظم العلاقة التعاقدية للعامل “عن بعد” عقد عمل رسمي مكتوب يذكر فيه صراحة، أن العمل لدى صاحب العمل يتم “عن بعد”، وأن يحدد المكان أو الأماكن، التي يمكن تأدية العمل فيها والمهمات الوظيفية والوصف الوظيفي لها، وعدد ساعات العمل، وأوقات بدء العمل وانتهائه، ومقدار الأجر، وجميع الحقوق والبدلات، إضافة إلى أي حقوق أخرى منصوص عليها في نظام العمل أو القرارات الوزارية واللوائح الداخلية المعتمدة في المنشأة.

ويتم تسجيل العامل عن بعد في التأمينات الاجتماعية كعامل “عن بعد” بدوام كامل أو جزئي، حيث يتاح العمل في وظائف متنوعة كالترجمة والبرمجة والمحاسبة والتدقيق المالي، والموارد البشرية والتسويق والإعلام الرقمي، والتصميم الداخلي وإدخال البيانات، والتأمين وخدمات العملاء والاستشارات التدريبية والتعليمية.

وقد ارتفع عدد المسجلين في برنامج “العمل عن بعد” ليصل إلى 5469 بنهاية عام 2018، مقابل 3323 في نهاية 2017. وتستحوذ العاملات عن بعد على نحو %98 من عدد المسجلين في البرنامج. وفي مطلع العام الجاري 2020  قامت وزارة العمل والتنمية الاجتماعية بإطلاق المرحلة الثانية من برنامج “العمل عن بعد”. وتشمل إطلاق البوابة الإلكترونية للبرنامج، والتي تتيح للمنشآت ومزودي الخدمة المعتمدين عرض وظائف العمل عن بعد، وتقديم خدمات مثل التتبع والمتابعة لأداء الموظفين، وتسمح للباحثين عن هذا النمط من الأعمال التسجيل وبناء ملف تعريفي خاص بهم والتقديم على الوظائف المتاحة. ووفقاً لوزارة العمل، يتيح البرنامج أيضاً لأصحاب الأعمال الاستفادة من الكوادر الوطنية المتواجدة في مدن المملكة، وتقديم خيار توظيف أقل تكلفة لأصحاب الأعمال، حيث تقل التكاليف التشغيلية المرتبطة بالتوظيف لهذا النمط بنسبة تصل إلى %25 سنوياً.

تقليل التكاليف

من المرجح  نمو حجم الطلب على العمل عن بعد  في الفترة المقبلة، وفقا لمنظمة العمل الدولية، التى توقعت أن تزيد البطالة في العالم بنحو 2.5 مليون شخص في العام الحالي 2020، موضحة أن ما يقرب من نصف مليار شخص يعملون في ساعات عمل مدفوعة الأجر أقل مما يرغبون، أو لا يحصلون على فرص عمل كافية. وقدرت الدراسة العدد العالمي للعاطلين عن العمل بنحو 188 مليون شخص، منهم 165 مليون شخص لا يكسبون أجوراً كافية، و120 مليون شخص، إما يتخلون عن البحث بنشاط عن عمل، أو يفتقرون للوصول إلى سوق العمل. ويعزز من فرص تزايد الطلب على التوظيف عن بعد ما شهدته السنوات الأخيرة من إقبال كبري الشركات العالمية والناشئة معا على البحث عن طرق لتقليل النفقات وتبني أنظمة عمل جديدة تساهم في زيادة الإنتاجية واستقطاب الكفاءات.

وهناك نماذج كثيرة منها شركة “برايس ووترهاوس كوبرز (PwC) وهي واحدة من مراجعي الحسابات الأربع الكبرى في العالم جنباً إلى جنب مع ديلويت وإرنست ويونغ وكيه بي إم جي وتنتشر (PwC) في 158 دولة و743 موقعا، وقامت بتوفير فرص عمل عن بعد لقرابة 250 ألف شخص حول العالم، وتقدر عائداتها السنوية  بأكثر من 37 مليار دولار.  وهناك أيضاً شركة (ريد هات- Red Hat) وأتاحت للموظفين فرصة العمل في بيئة افتراضية من منازلهم، والتعامل بمرونة تامة. كما اتجهت شركات عالمية أخرى إلى العمل عن بعد، والتعاقد مع موظفين من أنحاء متفرقة من العالم في وظائف تتعلق بالبرمجة وخدمة العملاء والتسويق والمبيعات وتحليل البيانات، دون أن تلغي المكاتب التقليدية والعمل بدوام كامل في مقراتها الرئيسية وأبرزها شركات: (آبل Apple)، و(ديل Dell)، و(مايكروسوفت Microsoft)، و(زيروكس Xerox)، و(أمريكان إكسبريس American Express)، و(Appen Limited)  وغيرها.

وساعدت التقنيات التكنولوجية المختلفة  المتمثلة في سرعة الإنترنت والتخزين السحابي وتطبيقات الأجهزة الذكية  على تنامي ظاهرة العمل عن بعد. وكشفت دراسة صادرة عن  “غالوب” ارتفاع نسبة القوى العاملة في الولايات المتحدة التي تعمل عن بعد، في السنوات الأخيرة من %9 في عقد التسعينيات إلى %37 الآن، وهذه الوظائف تشمل الموارد البشرية والتكنولوجيا والتعليم، كما تشمل التسويق والأعمال المحاسبية والمالية والأعمال والاستشارات القانونية والاستشارية وأعمال الدعاية والإعلان وتحليل المعلومات.