نافذة

شيءٌ عن الدواء وتجارته

بدأت الصيدليات قديما داخل المستشفيات. المسئول عن تلك الصيدلية داخل المستشفى كان يطلق عليه شيخ العشابين. وكان من بين أبرع وأمهر الأطباء الصيادلة الذين تمكنوا من تركيب الكثير من الأدوية، ابن البيطار وهو الاسم الذي كان يطلق على ضياء الدين بن محمد بن أحمد المالقي 1197م. وقد تمكن من وصف الكثير من الأشياء الخاصة بالأدوية والتي من بينها المقدار الخاص بكل دواء وغيرها من الأمور المهمة.

وقد كان لابن البيطار الفضل الكبير في حفظ الدواء في قوارير، كما كان يحافظ على تعقيم المكان الذي يوجد بداخله الدواء، وغيرها من الأمور التي تهتم بنظافة الدواء. كما كان العرب خلال ذلك الوقت يتبعون الكثير من المذاهب بالنسبة للدواء، والتي من بينها مذهب التجربة، فقد كان يتم دراسة الأعراض الجانبية الخاصة بكل دواء.

ومن قراءات سطحية ومتعمقة في موضوع العلاج والدواء، سوف نجد أن العقل البشري كان الأول والأخير في إمداد صاحب الحاجة بما يحتاج لتسهيل حياته الغذائية والدوائية. وفى الوطن العربي مرّ العمل الصيدلاني بمراحل أولى جيدة من البحث والتمحيص والتجارب، ما جعله مرجعا لباحثي الغرب في الطب والعلاج. أقصد أنهم كانوا لا يتركون شيئا للصدفة، ولا ينشرون الأبحاث إلا بعد يقين من جدواها للإنسان. ولا أراني بحاجة إلى الإطالة فالقراءات والمراجع تقول هذا بوضوخ وجلاء. إلا أننا في العقود الأخيرة رأينا أن هذا الشأن تحول إلى حواسيب وذكاء صناعي أخذ بجانب الجدوى التجارية والمنفعة المالية، فلمسنا دعايات وشركات وأسماء وماركات تقول لنا إن هذا الدواء ـ مثلا ـ يشفي أو يعالج هذه الحالة أو تلك، دون المرور بالفروقات الفردية في أجسامنا. تأتي هذه الأقوال عبر كتالوجات تمتدح هذا الدواء أو ذاك، وكأنها متأكدة من الشفاء مما يجعل المريض يشتريها دون تردد، حتى لو كانت تصطدم مع حالة معينة لدى المستهلك أو المريض.

والمشاهد أن شركات الأدوية العالمية تحتكر الاسم التجاري، وعُرفا لا يجوز تصنيع الدواء في بلد غير بلد الشركة الأم، ولو رغبت مجموعة طبية أو صيدلانية أخرى الاستفادة من المكتشف الجديد فعليها الحصول على الإذن، ومن ثم تصنيعه في بلدها تحت علامة تجارية أخرى، وفوق ذلك عليها أن تدفع قيمة الملكية الفكرية لبلد المنشأ ولمدة لا تقل عن 25 سنة من الإنتاج المستمرّ.

والذي نراه الآن أن الصيدليات لدينا لا تبني مكاسبها على بيع الدواء الموصوف، فرغم تشديد الدوائر الصحية بعدم السماح بصرف الدواء بدون وصفة طبيب مختص بورقة رسمية من المستوصف أو الطبيب، إلا أن هذا الاحتراز لم يكتسب القوة اللازمة لتعارضه مع حرص صاحب الصيدلية على أرباحه وسرعة تصريف ما لديه.

ولعل حمّى الربح وشغف البقاء في السوق، قد قاد بعض الشركات إلى تبنّي الحرص على صحة الإنسان، بإنتاج منتج سمّوه المكملات الغذائية، وصاروا يسوقونها على أنها خلاصة الطبيعة!!، وحملت عبارات مثل “صُنع في …”، وتوحي للمستهلك أنها معجزة الطب، عندما حرصوا على تصنيعها في عِلب جذابة وكبسولات أنيقة، وتركوا الصيدليات وشأنها ومارسوا تسويقها من خلال منافذ خُصّصت لهذا الغرض، ولا تحتاج إلى وصفة وتعقيد إجراءات السلامة الدوائية. وسمعتُ من قال لي ممن يفهمون في تجارة الدواء، أن المنتج لا يوجد في البلد الذي صنعه، وإنما يستهدفون البلدان الأقل معرفة بالخدع التجارية ولديها القدرة على الدفع.