رجل وزمان

النّجيب.. الزّامل!

لم تقبله المدرسة الابتدائية لعدم بلوغه السن القانونية وأصرّت جدته على دخوله المدرسة فاختبروه ونجح فقبلوه!

كتب في العديد من الصحف المحلية وأصبح اسمه معروفا بين أشهر الكتّاب وهو لا يزال طالبا

أخبره الطبيب أنه لن يعيش أكثر من عام إلا أنه تحدّى “الفشل الكلوي” وعزّز إرادته تبرّع والدته بإحدى كليتيها

سخّر طاقاته المالية والفكرية للأعمال الإنسانية وتعزيز خدمة المعاقين والأيتام ودعم المشروعات الشبابية

اهتم بالدور التنويري للمجتمع ووصفه بعضُ أصدقائه بأنه “إصدار أصلي يصعب استنساخه”

مكّنته عضويته بالـ “الشورى” من طرح أفكاره على المسئولين وتوسيع علاقاته لخدمة العمل التطوعي

ساهم خلال عضويته بالشورى في مراجعة نظام العمل التطوعي في السعودية

كما كان اختياره لعضوية “مجلس الشورى” السعودي تتويجاً لأداء وطني ومُجتمعي حظي بالإعجاب والتقدير، كان تكريمه ــ بعد وفاته ــ تخليداً لاسمه ولعطائه في خدمة وطنه ومجتمعه، بإطلاق “الاسم” على أحد شوارع حي المزروعية بالدمام، حيث يقع منزل نجيب الزامل الذي كان نسيجاً وحده بين مثقفي المنطقة الشرقية، وواحداً من أبرز المثقفين السعوديين، وأكثرهم خفّة ظل، وحضور بديهة، قارئاً كثير الاطّلاع، واسع المعرفة، موسوعي الثقافة، لم تغفلْ عيناه عن مشكلات الشارع واهتمامات الناس، وأعطى الكثير من وقته ومن جهده ومن صحّته للعمل “التطوّعي”، نموذجاً للمثقف “المنتمي” للوطن والمجتمع، متحدّيا مرضَه الذي لازمه نحو 40 عاماً، متغلّبا على “الفشل الكلوي”، مؤكداً أن النجاح في خدمة المجتمع هو أمضى سلاح لقهر هذا “الفشل”.. هنا بعض ملامح من حياة نجيب الزامل الذي دائما ما حمل قلمه فوق أعصابه، مُستمدّا كلماته من أوردته وشرايينه، مهموماً بقضايا وطنه وأمته..

نجيب، والنَجيب في اللغة، هو النبيل الفاضل، ويقولون فلان نجيب أي ذَكِيٌّ، فَطِنٌ، ونُجباءُ ونُجُب جمع نجيب، ونجائبُ الأشياء لبابُها، وخالصُها، والنَّجيب من الخَيْل الكريمُ العتيق، ونجائبُ الإبلِ خيارُها، ونَجَائِبُ الْقُرْآنِ أَفْضَلُهُ، مَحْضُهُ، ونجِيب فاعل من نَجُبَ، ونَجُبَ فلان أي كَرُمَ حَسَبُهُ، أَيْ كَانَ كَرِيمَ الأَصْلِ، ونَجُبَ الرَّجُلُ، حَمُدَ فِي قَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ، ويقولون نَجُبَ التِّلْمِيذُ أي كَانَ ذَا ذَكَاءٍ وَفِطْنةٍ وَنَبَاهَةٍ، وبانَ فضلُه على مَن كان مثلَه.. حقاً، كان له من اسمه نصيب، فقد حظي بالكثير من النجابة في شخصيته وطباعه وحياته وكسب حب الناس.

والزامل، كما عرفه أبناء المنطقة الشرقية، هو تلك الشخصية المرحة المحبة للخير والمعروفة بالمبادرات الخيرية، شخصية متعددة المواهب، عرفه الناس كاتبا ورساما، وعرفه قراؤه قلما متميزا باختياراته، ومؤلفا ألف كتابين يزخران بالحكمة ما جعله مرجعا لعائلته، الأول بعنوان “نزهه في سبعة أيام”، والثاني بعنوان “رساله الى ابنتي”. لم تثنه إصابته بالفشل الكلوي عن عزمه المشاركة في شتى مجالات الحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعيه، بل زادته إصرارا وعطاء حتى اللحظات الأخيرة من حياته.

الولادة والنشأة:

ولد نجيب بن عبدالرحمن الزامل في مدينة رحيمة التي عرفت لاحقا برأس تنورة، قدم إليها من عنيزة ثم الجبيل ثم رحيمة، وكان ترتيبه الثاني بين إخوته وكانت ولادته عام 1954، ودرس فيها المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، وكان لدخوله المدرسة الابتدائيه قصة، حيث لم يقبل لعدم إكماله السن القانونية، ولكن أمام إصرار جدته لوالده رقية الخنيني قبل في الصف الأول الابتدائي، بعد إصرارها دخوله المدرسة وطلبها إجراء اختبار له، وبالفعل تم ذلك وقبلته المدرسة، وكان زملاؤه بالفصل أكبر منه إلا أنه درس وتفوق في دراسته، كما كان متفوقاً في ثقافته وحبه للقراءة منذ صغره. وبعد أن أنهى المرحلة المتوسطة في رحيمة، انتقل إلى الدمام وبدأ دراسته الثانوية بها، وخلال هذه المرحله كان يكتب في العديد من الصحف المحلية حتى بات اسمه معروفاً لدى الكثير، وبعد إنهاء الثانوية انتقل للرياض ليكمل تعليمه الجامعي في كلية التجارة في جامعة الملك سعود، وتخرج فيها بعد أن حصل على درجة البكالوريوس في المحاسبة، ورغم أنه لم يدرس خارج المملكة، إلا أنه كان ضليعاً في اللغة الإنجليزية تحدثاً وكتابةً وقارئاً نهماً بهذه اللغة ومطلعاً على الأدب الإنجليزي، وقد اكتسب هذه المهارة من قراءته لكل مايقع تحت يديه من كتب وصحف إنجليزية وكذلك متابعته لتليفزيون أرامكو الذي كان يبث الكثير من البرامج والأفلام باللغة الإنجليزية.

الحياة العملية:

التحق نجيب الزامل بالعمل في ميناء الملك عبدالعزيز بالدمام وتدرج وظيفياً بالميناء، حيث تنقل بين العديد من إداراتها  حتى عين مديراً لشئون الموظفين، وتطور وظيفياً وكتب الكثير عن الموانيء ودورها في تنمية الاقتصاد السعودي، وخصص بعض كتاباته عن التطور الذي حققته الموانيء.   وبعد عشر سنوات من العمل بالميناء ترك العمل الحكومي ليلتحق بالعمل التجاري مع والده ثم أسس عملا تجاريا خاصا به، كما تولى رئاسة مجلس إدارة شركة الزامل للصناعة والتجارة  العائدة ملكيتها له ولإخوانه، وفي السنة الثانية من تعيينه بميناء الملك عبدالعزيز في الدمام أصيب بفشل كلوي جعله يتردد على المستشفيات للعلاج والغسيل الكلوي، وذلك قبل ثلاثين عاما، حتى أن الطبيب الذي قابله في بداية إصابته بالفشل الكلوي أخبره أنه لن يعيش أكثر من عام، ورغم المرض وتحدياته، إلا أنه لم يتردد عن ملاحقة آماله وطموحاته، ساعده على ذلك بل بث فيه روح الصمود وتحدي المرض، أن والدته تبرعت له بإحدى كليتيها في بداية إصابته بالفشل، لكن زراعتها سرعان ما فشلت، فزرع مرتين خارج المملكة ليواصل تحديه وإخلاصه في عمله ومبادراته في شتى المجالات.

مجلس الشورى:

اختير نجيب الزامل لعضوية مجلس الشورى في دورته التي بدأت في 1/3/1430 لمدة أربع سنوات “دورة واحدة” وكان اختياره لعضوية مجلس الشورى نقلة نوعية في حياته، إذ تمكن خلال عضويته بالمجلس من طرح أفكاره على مسئولي الدولة، واتسعت علاقاته الاجتماعية فقام بتسخيرها لخدمة العمل التطوعي، وكان يراهن على حجم علاقاته الاجتماعيه، ويسعى بصفة مستمرة إلى توسيعها وقد ارتبط بعلاقات صداقة مع العديد من كبار المسئولين بالمنطقة الشرقية، وكثيراً ما استعانوا بمقترحاته وأفكاره، وقد ساهم خلال عضويته بالشورى في مراجعة نظام العمل التطوعي الذي صدر مؤخراً في المملكة العربية السعودية.

نجيب والعمل التطوعي:

برز اسم نجيب الزامل في العمل التطوعي حتى أصبح أيقونة إنسانية، حيث سخر كل طاقاته المالية والبدنية للأعمال الإنسانية من أجل المعاقين والأيتام والشباب بشكل عام حتى أن بعض الشباب كان يطلق عليه أبي نجيب الزامل، فقد كان مبادراً لكل عمل إنساني خيري، صديقاً للكل صغاراً وكباراً، فهو مجموعة “إنسان”، وكما قال أحد أصدقائه إنه إصدار أصلي يصعب استنساخه، وقد ساهم في العديد من المبادرات التطوعية التي لقيت صدىً حكومياً قاد إلى تبني بعضها وكان له دور كبير في تنوير المجتمع فيما يتعلق بالكثير من القضايا الاقتصادية والثقافية، طرحها في المحاضرات والندوات التي كان يلقيها أو يشارك بها وقد أسس الجمعية السعودية للعمل التطوعي، وكان من أوائل من أسسوا المجموعات التطوعية، وشجع الشباب على الانخراط في العمل التطوعي، وقد أسس جمعية العمل التطوعي لتكون حاضنة لهذه المجموعات التطوعية التي انتشرت وكانت بحاجة إلى حاضنة لتستوعبها وتجعل عملها منظما.

نجيب والصحافة:

بدأت علاقة نجيب الزامل بالكتابة في الصحف اليومية، من جريدة عكاظ، وبطبيعة الحال كانت جل كتاباته في الشأن الاقتصادي، وبعد فترة نقل كتاباته إلى صحيفة اليوم وسخر كتاباته لنشر ثقافة العمل التطوعي ودعم الشباب ومشاريعهم والمبادرات الداعمة لهم، فكانت كتاباته صوتاً داعماً لهم في شتى الميادين، كما ركز على الحالات الاجتماعية والإنسانية، وكان همه إيصال صوت المحتاج من الشباب ودعم التطوع بكل ما أوتي من قوة إعلامية ولعل دعمه للشاب المعاق ناجي كان نموذجاً واضحاً على صدق دعمه وتوجهاته، فقد كتب عنه عشرات المقالات وقبل وفاة الشاب ناجي كتب رسالة لنجيب الزامل ذكر فيها ما لقيه من دعم ومؤازرة، ولم يذكر أحدا سوى نجيب، وبعد وفاته كتب عنه نجيب مقالا بعنوان “أبكيتني ياناجي وأحييت فيّ ما مات في قلبي”.

منتدى أمطار والمشاريع التطوعية:

أسس نجيب الزامل منتدى “أمطار” الذي يهدف إلى تكريم المسئولين المتميزين بعد إحالتهم إلى التقاعد، واستبعد من المنتدى المسئولين الذين مازالوا على رأس العمل للبعد عن المجاملات والمصالح، كما أنشأ مجموعة  من المشاريع التطوعية، منها جمعية فريق أولاد وبنات الأحساء للعمل التطوعي، قبل أن يترأس مجلس إدراة جمعية العمل التطوعي بالمنطقة الشرقية، وكان يحرص على بث روح العمل التطوعي في فريق العمل، فكان القائد الملهم الذي يشجع على زرع روح القيادة في العاملين وخاصة القياديين وينقد بطريقة لطيفة، وكان يرى أن نقاط قوة الجمعية ليست في برامجها أو مشاريعها ولكن في مدى إيمان منسوبيها برسالة الجمعية، فكان بمنزلة الأخ للجميع، من مسئولين وصغار الموظفين والمتطوعين الجدد منهم والقدماء.

الفلسفة والعمل التطوعي بالخارج:

لم يكن نجيب الزامل يفوت الفرصة أثناء سفره للخارج بإيجاد فرصة للعمل التطوعي فكان أول من أثار قضية أبناء السعوديين في الخارج من زوجات غير سعوديات، وتبنى هذه القضية ودشن حملة سماها “العودة إلى الجذور” قبل أن تتفاعل الجهات الرسمية مع هذه المبادرة لإنهاء معاناة أبناء السعوديين في الخارج.

وقد اهتم نجيب الزامل بقراءة كتب الفلسفة، والاطلاع على مختلف توجهات وآراء الفلاسفة حيث أضافت الفلسفة الكثير لحصيلته المعرفية مع تأكيده أن اتجاهاتها المختلفة لم تنجح باستقطابه. وقد أثار الزامل الجدل لدى الكثير بشأن الفكر الذي ينطلق منه وربط الكثير من متابعيه بين مايكتبه وبعض الاتجاهات الفكرية ومنها الصوفية، فالكثير يقول إن نجيب بينه وبين الصوفية التقاء إلا أنه يرى أن الصوفية الحالية هي مجرد فولكلور، ولكن الكتاب الصوفيين القدماء يجب ألا تهمل كلماتهم، وهكذا عبر عن إعجابه بكلماتهم فقط ولكنه لم يقبل عقيدتهم أو فكرهم.

المرأة في حياته:

كان للمرأة دور كبير في حياة نجيب الزامل إذ عاش على صورة جدته ووالدته قبل أن تحتل زوجته مساحة واسعة في حياته، فقد تزوج من رفيقة دربه السيدة فوزية المطلق التي منحها تقديراً بلغ تسمية رواقه في مكتبة الزيتونة في تونس، فسمي المشروع باسم رواق فوزية المطلق، بالإضافة إلى بيت الأسرة الذي طلب تسجيله باسمها.

وكان بارا بوالدته ويذكر أحد زملائه في مجلس الشورى أنه بعد انتهاء الجلسة دعاه إلى منزله بالرياض، فقال سأعود للمنطقة الشرقية، وكانت هناك جلسة في الغد فذكرها له وقال كيف تذهب قال لابد أن أذهب اليوم وأعود غداً حيث أنني أتيت للرياض مباشرة من السفر خارج المملكة، ولابد أن أذهب للدمام لأرى والدتي وأسلم عليها ثم أعود في الغد للرياض وهذا من بره بوالدته وتحمله لمشقة السفر من أجل أن يرى والدته، أما أسرة نجيب، فقد كان متزوجاً من السيده فوزيه المطلق، وأباً لثمانية أبناء هم يوسف، أحمد، عبدالله، نوره، إبراهيم، عبدالرحمن، تمام، وسليمان.

وفاته:

كان نجيب الزامل كثير السفر إلى مختلف دول العالم، ولم يعلم أن سفرته لماليزيا (سفرته للسياحة مع عائلته إلى ماليزيا) في مطلع هذا العام ستكون الأخيرة، ففي الرابع من يناير 2020 توفي في كوالا لمبور، وبذل المسئولون في المملكة وفي سفارة خادم الحرمين الشريفين بكوالا لمبور، جهوداً موفقة في نقل جثمانه إلى المملكه، وكانت الرحلة إلى جدة، ولما كان الراحل ممنوعاً من السفر إلى مكة، منذ زراعته للكلى، فقد اقترحوا أن يتم دفنه في مكة المكرمة البلد الذي حرم منه في حياته، وبعد أن استأذن إخوته من والدتهم غادروا إلى جدة وغسلوه ثم نقلوه إلى مكة ليدفن هناك. رحمه الله وأجزل له الثواب على ماقدمه من خدمات إنسانية جليلة لأبناء وطنه، ومبادرات أصبحت نبراساً لكل من أراد العمل التطوعي. وتكريماً لنجيب الزامل، وتخليداً لاسمه ولعطائه في خدمة وطنه ومجتمعه، وافق صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن نايف بن عبدالعزيز أمير المنطقة الشرقية على إطلاق اسم نجيب الزامل على أحد شوارع حي المزروعية بالدمام، وهو الشارع الذي يقع فيه منزل الراحل.