شرفة

استهلاك المعرفة!

مع تراتب الثورات الصناعية في العالم بداية من الثورة الصناعية الأولى في القرن الثامن عشر الميلادي، والتي اقترنت باختراع الآلة البخارية واستخدامها في عملية الإنتاج والنقل، وما تلاها في القرن التاسع عشر الميلادي مع تطور صناعة الكهرباء، وصولا إلى الثورة الصناعية ما قبل الأخيرة في منتصف القرن العشرين ميلادي، حينما بزغ عالم الحوسبة والإنترنت وقتها ـ قبل ان يدرجا بصورة تجارية ـ وما تبعها لاحقاً من تطور سريع في فضاء التكنولوجيا الحيوية وعالم التقنية والنانو والاتصالات والبيانات والأتمتة ـ استخدام الآلة المبرمجة في عملية الإنتاج، والذكاء الاصطناعي ـ أصبح بعض المفكرين ومتخصصي الدراسات المستقبلية، يميلون منذ فترة إلى التعبير عن هذا الطغيان المعرفي الأخير بالقول إن مرحلة الصناعة قد ولت وأن العصر هو عصر مرحلة المحتوى المعرفي؟! وهذا التصور في حقيقته يختزل بشكل أو بآخر المنهجية الفكرية الناجعة، ويحرفها بإحلال مفهوم الوسيلة محل الأداة! فالعلم والمعرفة ليسا إلا وسائل فكرية تترجم إلى مخرجات إنتاجية متعددة وتقف الصناعة على رأس تلك المخرجات دون مواربة.

حالة “الغبش” هذه والتي ألقت بظلالها على طرح بعض المفكرين المعاصرين ـ بقصد أو بدون قصد ـ تجاهلت الفرق بين مفهوم تنمية المحتوى المعرفي ومخرجاته، إضافة إلى أهمية الدور التراتبي لكل منهما في عملية تنمية المجتمعات. ولطالما أورث مثل هذا الغبش نتائج “تخديرية” للدول الناشئة وأشاح نظرها عن أن حقيقة هذا السيل المعرفي، إنما هو وقود لتطوير الصناعات الإنتاجية، وليس هدفاً بحد ذاته، ناهيك عن أن هذا الطغيان في تسارع سيل المنتجات المعرفية للدول المتقدمة، جعل من معظم الدول الأخرى سوقاً استهلاكيةً بحتةً للأولى، مما أخّر تركيزها بالتالي على تنمية صناعاتها المحلية!.

فعلى سبيل المثال فإن التطور المعرفي السريع في تكنولوجيا المعلومات عالمياً، وخاصة في شقها المتعلق بالاتصالات وإنترنت الأشياء والبرمجيات وقواعد البيانات الضخمة ـ Big Data ـ رغم أهمية استخدامها في كافة الدول أياً كان تصنيفها الاقتصادي، ورغم أنها دالة ربحية أصيلة لمسوقيها ومصدريها الرئيسيين، وبدرجة أقل بكثير للدول الأطراف، إلا أنها تبقى بمثابة سلعة استهلاكية، وليست إنتاجية بالنسبة للدول الأخيرة ـ الأقل تقدما معرفيا أو المفتقرة إليه ـ خاصة أنه لم يتم المشاركة في تطويرها أو صناعة تقنيتها، وهذا ما ينبغي على صانعي القرار في تلك الدول التنبه له، حتى لا تكون الصورة المتأتية من انتشار استخدام تلك التقنيات خادعة لهم عن كفاءة الاقتصاد الحقيقي في دولهم.

وقفة:

جل الدول الصناعية المتقدمة ركنت إلى لغتها الوطنية في عملية تطوير محتواها المعرفي.