تكنولوجيا

18 قمرًا صنـاعيـــاً في عامين فوق هَام السُّحب.. المملكة إلى ريادة الفضاء

«الفضاء كنز المستقبل»، تُلخِّص هذه العبارة غالبية آراء الباحثين والشركات الكُبرى حول العالم، التي ترى الفضاء بالمجال الاقتصادي الرحب، وتعتبـره منجم تعدين العائدات المالية في المستقبل، والدليل الذي باتباعه يتم تطوير تكنولوجيا كافة مجالات اقتصاد الأرض، وهو ما شجع العديد من دول العالم للاستثمار فيه.

وقد كانت المملكة التي تمكّنت من تسجيل اسمها في عالم الفضاء، كأول دولة عربية تُشارك في رحلة الفضاء ديسكفري عام1985م، الذي واكب انطلاقتها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، في مُقدمة الدول ناحية تعزيز استثماراتها في الفضاء، لتمضي تدريجيًا في ركب علوم الفضاء وأبحاثه، وأخذت في تطوير أدائها المؤسسي والعلمي في الاتجاه إلى عالم الفضاء بإنشاء الهيئة السعودية للفضاء التي يرأس مجلس إدارتها الأمير سلطان بن سلمان، لتكون الجهة الوطنية المسؤولة عن تطوير القطاع وتوجيه الجهود بما يحقق للمملكة الريادة والمكانة الدولية.

محطات أرضية متطورة

فقد أطلقت المملكة في العامين الفائتين نحو 18 قمرًا صناعيًا في الفضاء، منها 17 قمرًا بإشراف من مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية (كاكست)، وكان منها القمر السعودي للاتصالات (SGS1) الذي أُطلِق في 6 فبراير2019م حاملاً توقيع ولي العهد صاحب السموّ الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، الذي كتب عليه عبارة (فوق هام السحب).

ويعمل القمر السعودي (SGS1) على خدمة قطاع الاتصالات الفضائية الحديثة المتعددة التي تشمل اتصالات النطاق العريض والاتصالات العسكرية الآمنة، وتوفير الاتصالات للمناطق شبه النائية والمناطق المنكوبة لاستخدامها في شتى مجالات التنمية المستدامة مثل: تطبيقات (اتصالات النطاق العريض عالي السرعة، والاتصالات الآمنة للجهات الحكومية) وسيتم تشغيل وإدارة القمر من خلال محطات تحكم أرضية متطورة في المملكة.

شاهين سات

وكذلك القمر الصناعي السعودي شاهين سات، الذي أُطلق مؤخرًا، والمختص بتصوير الأرض وتتبع السفن من المدارات المنخفضة، وذلك من قاعدة بايكونور في كازاخستان على متن الصاروخ الروسي سيوز 2، كما أطلقت جامعة الملك سعود، القمر الصناعي المكعب (CubeSat) من قاعدة بايكونور في كازاخستان على متن الصاروخ الروسي (Soyouz2)، وبذلك ارتفع عدد الأقمار الصناعية التي أطلقتها السعودية في الفضاء إلى 18 قمرًا صناعيًا.

الاستخدام السلمي للفضاء

وتماشيًا مع التطورات المتلاحقة في صناعة الفضاء، أنشأت مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية محطّات استقبال الصور  والبيانات الفضائية لتغطية 2.7 مليون كم مربع من جنوب روسيا إلى جنوب الصومال، ومن غرب باكستان إلى شرق ليبيا، ودعت المملكة ممثلة في الهيئة السعودية للفضاء إلى عقد الاجتماع الأول لـ (قادة اقتصاد الفضاء20)، وذلك في إطار رئاستها لمجموعة العشرين ضمن برنامج المؤتمرات الدّولية بهدف تنسيق جهود الاستخدام السلمي للفضاء من قبل الوكالات في أكبر 20 دولة اقتصاديًا على مستوى العالم، ودعم الجهود القائمة والمستقبلية للدول الأعضاء للنهوض بمستوى الاستثمار العلمي والاقتصادي لقطاع الفضاء ورفع تنافسيته واستدامة أنشطته.

تجارب علمية

ناهيك عما نفذته المملكة من تجارب علمية في الفضاء بالتعاون مع الجهات العلمية الدّولية كوكالة الفضاء الأميركية ناسا وجامعة ستانفورد على متن القمر سعودي سات 4، وشاركت في مهمة استكشاف القمر تشانق أي 4 بالتعاون مع وكالة الفضاء الصينية عام2018م في مهمة نادرة لاستكشاف الجانب غير المرئي من القمر، بخلاف البرنامج التنفيذي الذي وقعته مع وكالة الفضاء الصينية المأهولة، لتنفيذ مهمة علمية سعودية على متن محطة الفضاء الصينية عام2022م.

وتركز التجربة العلمية السعودية مع الوكالة الصينية على دراسة تأثير الأشعة الكونية على أداء الخلايا الشمسية عالية الكفاءة المستخدمة في الأقمار الصناعية، وذلك بالاستفادة من الظروف البيئية الفضائية لإجراء تلك الدراسات والتجارب، وتهدف التجربة إلى تصميم خلايا شمسية قادرة على العمل بكفاءة عالية لفترات طويلة لضمان استمرارية توفير الطاقة اللازمة لعمل الأقمار الصناعية والمركبات الفضائية مما يساعد في تقليل تكلفة المهمات الفضائية، التي ستعود بالفائدة على دول العالم في هذا المجال مستقبلاً.

أفضل المستثمرين

ويبدو أن هذا الاهتمام والتوسع ناحية استكشاف قطاع الفضاء والعمل على استغلال فرصه الاستثمارية، وضع المملكة من بين أفضل المستثمرين في الفضاء كحصة من الناتج المحلي الإجمالي، حيث بلغت ميزانيتها بحسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) نحو مليار دولار أميركي في عام2019م، وبذلك جاءت المملكة في ميزانية الفضاء بنسبة %0.1 من الناتج المحلي بعد كل من الولايات المتحدة وروسيا بنسبة %0.2.

فقد أجادت المملكة القراءة للمستقبل بالاتجاه إلى الاستثمار في الفضاء، الذي قدّرت دراسة أجراها بنك «مورغان ستانلي»، أن يتخطى «اقتصاد الفضاء» نحو الترليون دولار عام2040م بالتركيز على المداخيل الأساسية التي ستكون من عوائد خدمات الأقمار الصناعية والصواريخ، وأشارت إلى أن هناك توجّهًا نحو تطوير اقتصاد صناعة الفضاء، إذ يوجد عدة مصادر تقيس حجم هذا الاقتصاد ومنها: منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي توقعت أن تتراوح عوائد الاستثمار ما بين 280-300 مليار دولار، وكذلك شركة الأبحاث يوروكونسولت التي توقعت أن يصل إلى 360 مليار دولار، ورجحت أن تتمثل أهم الفرص الاستثمارية على المدى القصير والمتوسط في الوصول إلى الإنترنت عبر الأقمار الصناعية، متوقعةً أن تمثل الأقمار الصناعية %50 من النمو المتوقع لاقتصاد الفضاء العالمي خلال الـ20 عامًا المقبلة.