تحقيق

الأسواق تترقب هندسات الفيدرالي الأمريكي لمعدلات الفائدة

بين نار التضخم … وصقيع الركود

البنك المركزي السعودي يرفع الفائدة للمرة الثانية في شهرين، مدفوعا بالتحركات العالمية

قرار رفع القائدة من قبل البنوك المركزية الخليجية، ليس أمرًا سهلا، ولكنه ضروري للحفاظ على تدفقات رؤوس الأموال ومنع المضاربات

نقص المعروض بسبب مشاكل سلاسل التوريد وإغلاقات “كوفيد19- والحرب الأوكرانية تقود الاقتصاد العالمي لـ “تضخم ركودي”، لن يخرج منه بسهولة

حالة من الترقب واللايقين تجتاح الأسواق، ومحاولات مستمرة لترويض التضخم العالمي،  يقودها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، برفع مستويات الفائدة على أكثر من مرحلة حتى عام 2023م للحد من تسارع مستويات التضخم، الذي طال مختلف أسواق العالم بسبب تداعيات انتشار فيروس “كوفيد19-” وتأثيراته السلبية على التجارة العالمية منذ العام 2019م، وتداعيات الحرب الروسية -الأوكرانية، المستمرة منذ خمسة أشهر، ويتوقع أن تطول أكثر، إضافة إلى تباطؤ الاقتصاد الصيني وارتفاع أسعار الطاقة، ما يثُير التساؤل حول رفع أسعار الفائدة ومدى قدرتها على الرجوع بالأسواق العالمية إلى التوازن وتجاوز مخاوف الركود.

أكبر زيادة

وكان الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، قد أعلن عن أكبر زيادة في سعر الفائدة منذ حوالي 30 عامًا، وذلك بمقدار ثلاثة أرباع نقطة مئوية ليصل إلى %1.75، وهو الارتفاع الثالث منذ شهر مارس2022م، مع توقعات بأن تصل أسعار الفائدة إلى %3.4 بنهاية العام الجاري، وبخطوات مماثلة رفعت العديد من البنوك المركزية حول العالم أسعار الفائدة لديها، كالمملكة المتحدة التي رفعت سعر الفائدة للمرة الخامسة منذ ديسمبر 2022م إلى فوق الـ %1 للمرة الأولى منذ عام 2009م، كما رفعت كل من البرازيل وكندا وأستراليا أسعار الفائدة، بينما وضع البنك المركزي الأوروبي خططًا لخطوات مماثلة في محاولات مكثفة لكبح جماح ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية.

التضخم الحالي ليس ناتجًا عن زيادة الطلب، ولكن بسبب نقص العرض وتعثر في سلاسل الإمداد ونقص المواد الخام وموارد الطاقة

فيصل الشماس: الهدف سحب السيولة من السوق، والأفراد لن يتضرروا وسيستفيدون لاحقًا

عبدالله العمران: المركزي السعودي وجد أن 50 نقطة كافية وأن 75 ستضر بمستوى السيولة في السوق

علي الجفعري: الاقتصاد السعودي يمر بمرحلة جيدة، وهناك توقعات نمو عالية، ولكن أيضًا لدينا تضخم، وهو يطال العالم بأكمله

عبدالله العمران

التضخم المستورد

وحتى تُجنب اقتصاداتها صدمات تضخمية مستوردة من ارتفاع أسعار السلع العالمية والطاقة، أعلنت المملكة وأربع دول خليجية أُخرى رفع سعر الفائدة تأثرًا، فرفع البنك المركزي السعودي أسعار الفائدة كما قرر رفع معدل اتفاقيات إعادة الشراء المعاكس (الريبو العكسي) بمقدار 50 نقطة أساس من 125 نقطة أساس إلى 175 نقطة أساس إلى %75.1، ورفع معدل اتفاقيات إعادة الشراء (الريبو) بمقدار 50 نقطة أساس من 175 نقطة أساس إلى 225 نقطة أساس إلى %25.2، وأيضًا قرّر مصرف الإمارات المركزي وبنك قطر والبنك الكويتي والبنك البحريني رفع مستويات الفائدة بنسب مقاربة للنسبة الأمريكية، وكذلك فعل البنك المركزي الأردني ونظيره المصري.

ويؤكد محللون اقتصاديون، أن هذه القرارات المنسجمة، جاءت لمحاربة التضخم المرتفع، بدفع من نقص المعروض من السلع بسبب مشاكل سلاسل التوريد سواء نتيجة إغلاقات “كوفيد 19” في الصين، أو الحرب الأوكرانية وتأثيرها على أسعار العديد من السلع الأساسية من الغذاء إلى الطاقة.

علي الجفعري

 

تخفيف السيولة

ويرى محللون اقتصاديون تحدثوا لـ”الاقتصاد”، أن الهدف من قرار رفع أسعار الفائدة، هو تخفيف السيولة النقدية داخل السوق لإبطاء الاستهلاك، إذ يزيد رفع أسعار الفائدة من عبء القروض الجديدة والقائمة، ما يعني أن عملاء البنوك سيفكرون أكثر من مرة قبل الإقدام على الاقتراض، وقد يتخذون قرارًا بتأجيل الاقتراض لحين هبوط أسعار الفائدة، وهذا القرار سيكون سببًا في التراجع عن شراء سلعة أو خدمة ما، أو توسيع مشروع قائم أو فتح آخر جديد، وسيبطئ من التوظيف، بالمحصلة ستكون السيولة النقدية أقل، وهو ما يدفع الاستهلاك ليكون أقل، وبالتالي يقود الأسعار للانخفاض بسبب قلة الطلب.

وتعتبر الفائدة، أولى الطرق لخفض مستوى التضخم، فرفع الفائدة يدفع باتجاه انتقال السيولة إلى البنوك على شكل ودائع، يحصل أصحابها مقابلها على فوائد مرتفعة من البنوك كأداة استثمار، وهنا ينجح البنك المركزي في سحب السيولة من الأسواق.

 

فيصل الشماس

ليس بالأمر السهل

بلا شك، لا يعتبر قرار رفع القائدة من قبل البنوك المركزية الخليجية، أمرًا سهلاً، ولكنه ضروري للحفاظ على تدفقات رؤوس الأموال القادمة إليها نتيجة المنافسة مع أسعار عائد أعلى تقدمها سندات الخزانة الأميركية، أو لارتباط عملتها بصورة مباشرة بالدولار، وبالتالي ضرورة المحافظة على أسعار الصرف مع الدولار والمتوقع أن يشهد ارتفاعًا كبيًرا بالمقارنة مع العديد من العملات، خاصة وأن الدولار بدأ رحلة صعود كبيرة بعد قرارات رفع الفائدة المتتالي، وسجل أعلى مستوياته منذ الأزمة المالية العالمية خلال الشهرين الماضيين.

الحد من المضاربات

ويؤكد الرئيس التنفيذي لشركة ريادة المالية، فيصل الشماس، على أن السبب الأساسي لرفع الفائدة في المملكة ودول الخليج هو رفع الفيدرالي الأمريكي للفائدة، ولابد أن تسير معه العملات المرتبطة به، بما فيها الريال كي لا يكون هناك مجال للمضاربات على العملات، مشددًا في حديثه على أن هناك عدة أطراف رئيسية مرتبطة في العملية، هناك المستهلكون والمستمرون والشركات الراغبة في الربحية، ويقول: “بالنسبة للمواطن رفع الفائدة حل مثالي لكبح جماح التضخم، ولكن لكي يحصل على نتائج سيحتاج الأمر لبعض الوقت، لن يكون عاجلاً، فرفع الفائدة سيساعد على وقف ارتفاع الأسعار من خلال سحب السيولة وهو ما يساعد على الحد من التضخم، الذي هو مرض يصيب القوة الشرائية للمواطن، ارتفاع الأسعار يتسبب في غلاء المعيشة، ولكن لكي يشعر المستهلك بالفرق سيكون هناك حاجة للصبر”، ويتابع: “أما بالنسبة للمستثمرين عامة، سيواجهون مشكلة، لأن السيولة سيتم سحبها من أسواق المال لأن المستثمرين سيتجهون للودائع كملاذ آمن لأموالهم بدلاً من الاستثمارات عالية المخاطر، فرفع الفائدة سيرفع الأرباح على الودائع دون مخاطرة الدخول في أسواق المال، وهذا يقلل السيولة في سوق المال، وهذا ما وضع انعكاسه بشكل سريع وفقد أكثر من 2000 نقطة من قيمته منذ شهر رمضان الماضي”.

تكلفة الإقراض

ويضيف الشماس، بتفاصيل أكبر: “بالنسبة للشركات سيكون الإقراض مكلفا عليها، خاصة الشركات التي وقعت عقود أقراض بفائدة متغيرة، هذه الشركات سترتفع عليها الفوائد وتزيد عليها التكاليف وهو ما يقود الهوامش الربحية للهبوط، لأن السيولة ستُسحب من السوق، وستقل القوة الشرائية للمستهلكين مما يقود لهبوط أرباح الشركات، وهو ما سينعكس في نهاية المطاف على سوق المال”.

يؤكد الشماس، أن التضخم الحاصل حاليًا نتاجًا لنقص المعروض بسبب المشاكل الاقتصادية العالمية، ويضيف: “ليس فقط قلة العرض، بل وفرة السيولة بعد أن قام البنك الفدرالي الأمريكي في خفض الفائدة، واليوم يحاول أن يحد من ذلك برفع الفائدة، وهو أمر سيكون مستمرًا خلال الأشهر المقبلة، لوقف التضخم الذي وصل لمستويات تزيد عن الـ %8، وهم يحاولون الوصول لمستوى %2، والمسؤولون في الفدرالي الأمريكي يطلقون تصريحات حادة بأنهم سيستخدمون كل الوسائل الممكنة للحد من التضخم، هذا يؤثر على استقرار الأسواق، إضافة للتسارع في عملية الرفع بمستوى 75 نقطة دفعة واحدة، وهو أمر لم يحدث في التاريخ، وهو ينوون الاستمرار في ذلك كحل للتضخم العالمي”.

مراجعة الخطط

وحذّر من أن يقود هذا التسارع إلى الركود الاقتصادي، ولهذا المسؤولون على هذا الأمر أكدوا أنهم سيكونون مرنين في مراجعة خططهم، ومتى ما شعروا بأنهم على طريق الركود سيتوقفون وقد يعودون لخفض الفائدة مجددًا”، لافتًا إلى أنه في الوقت نفسه سيكون من الصعب الوصول لمستوى %2 بشكل سريع، خاصة مع ارتفاع أسعار النفط والطاقة، ويتابع: “نلمس الآن هدفا واضحا وهو سحب السيولة، ولكن هناك أمورا أخرى تساعد في ذلك مثل هبوط أسعار العملات الرقمية، وهبوط أسواق المال العالمية، وهو ما قلل كثيرًا من السيولة الموجودة في السوق ما  يساعد نوعًا ما على تسريع العجلة، والأمر ليس مقلق للمواطن العادي، وهو المستفيد الأول من تلك الخطوات لأنها ستقلل أسعار المواد الغذائية التي ارتفعت بشكل كبير.

تقويض الطلب

وتمثل أسعار الفائدة أحد أسلحة البنوك المركزية في كبح جماح التضخم، عبر امتصاص فوائض السيولة من الاقتصاد وتقويض الطلب، إلا أن رفع الولايات المتحدة الامريكية لأسعار الفائدة يعني الكثير بالنسبة لاتجاه حركة رؤوس الأموال حول العالم.

غير أن من المتوقع أن يكون لقرار 5 دول خليجية وبعض الدول العربية لأسعار الفائدة بعض التأثير، وستكون البداية رفع تكلفة الاقتراض الجديد، وبسببه ستكون أكثر تكلفة في الوقت الراهن، وخاصة القروض بفائدة ثابتة، كونها تحمل في طياتها مخاطر أعلى بالنسبة للممولين من البنوك وشركات التمويل، مع احتمالية رفع جديد في أسعار الفائدة، وهو حال القروض القائمة بأسعار فائدة متغيرة سواء كانت قروض تمويل عقاري أو تمويل غيره، ستشهد هي الأخرى ارتفاعًا مع مراجعة القروض من قبل البنوك.

الودائع المصرفية

ويتوقع أن تسهم هذه القرارات في ارتفاع الودائع المصرفية بصورة كبيرة مع ارتفاع أسعار الفائدة، وهو الأمر الذي قد يقلل من المعروض النقدي ويقود الأسعار للهبوط مرة أخرى وهو الهدف الأساسي من رفع الفائدة، حيث الحد من مستويات التضخم المرتفعة، ويحدث بحسب مدى سرعة الاستجابة لقرارات الجديدة.

وعلى الأرجح سيتأثر تقييم أسهم الشركات، خاصة عندما يتم خصم التدفقات النقدية المستقبلية للشركات بسعر فائدة أعلى لاحتساب القيمة الحالية لتلك الأموال، وبالتالي كلما ارتفع معدل الخصم (مرادف سعر الفائدة) بنسبة أكبر كلما قلت القيمة الحالية للتدفقات النقدية المستقبلية وبالتالي تقييم أقل للأسهم.

التضخم الركودي

وبشكل مغاير لتلك الصورة، فإن أسهم البنوك عادة ما تشهد ارتفاعًا بسبب هامش صافي الفائدة، والذي يتحرك إيجابيًا مع ارتفاع أسعار الفائدة، وهو ما يكشفه، المحلل الاقتصادي في الأسواق المالية، عبدالله العمران، بأن البنك المركزي السعودي أكتفى  برفع الفائدة بـ 50 نقطة، وكان يرفعها عادة بشكل مماثل للبنك الفيدرالي الأمريكي الذي رفعها بـ 75 نقطة مؤخرًا، معتقدًا أن البنك المركزي وجد أن 50 نقطة كافية وأن 75  نقطة ستضر بمستوى السيولة في السوق، ويضيف: “تقريبًا وصل الرفع إلى 100 نقطة خلال شهرين، وهناك توقع لأن يستمر هذا الرفع للأشهر الستة المقبلة، بيد أن المشكلة هي في نقص الإمدادات أكثر من كثرة العرض، بسبب ما حدث في أزمة “كوفيد 19-“، والحرب الروسية – الأوكرانية وتأثر سلاسل الأمداد العالمية”، وشدد العمران، على أن رفع الفائدة يسحب السيولة من السوق، وهذا يقود للحد من التضخم ويتابع مستدركًا: “لكن بلا شك أننا كنا مقبلين نحو تضخم كبير في الاقتصاد العالمي وهذا كان سيقود في نهاية المطاف لما يسمى “التضخم الركودي”، فالأسعار مرتفعة كثيرًا، ورفع الفائدة سيرفع التكلفة على الشركات وقد يقود هذا إلى رفع الأسعار لتعويض هذه التكاليف وربما يقود هذا نحو ركود أكبر”.

عودة دورة الاقتصاد

ويعتقد العمران، أن الحلول تعتمد على عدة عوامل، “أهمها عودة دورة الاقتصاد في الدول الكبرى مثل: الصين وألمانيا وأمريكا لوضعها الطبيعي، ولكن ماتزال تعاني هذه الدول من خلل في الدورة الاقتصادية، وهو ما تسبب في التضخم ورفع الأسعار في جميع الاقتصاديات العالمية، وتحاول البنوك المركزية الحد من هذا التضخم برفع الفائدة لسحب السيولة من الأسواق”.

الإقراض العقاري

ويبدو أن التأثير الأكبر، كان على الإقراض العقاري الذي بات أكثر كلفة، وهو ما تسبب في تراجع كبير في نسبة الإقراض العقاري لحين اتضاح الصورة أمام المستهلكين، وكشفت البيانات الصادرة عن البنك المركزي السعودي، عن تراجع حجم التمويل العقاري السكني الجديد المقدم للأفراد من المصارف إلى 9.22 مليار ريال خلال شهر أبريل 2022م بانخفاض قدره %41 مقارنة بالفترة نفسها من عام 2021م، ويرجع المحللون ذلك، إلى أسعار الفائدة الجديدة، ولأن هناك أملاً لدى المشترين بتراجع الأسعار وعودتها إلى المستويات الطبيعية بعد التضخم الكبير الذي شهده سوق العقار مؤخرًا، ويوضح العمران، أن تراجع الاقراض العقاري بنسبة كبيرة في الفترة الأخيرة راجع بالدرجة الأولى لارتفاع تكلفة الإقراض، وسيتراجع أكثر لأن ارتفاع أسعار الفائدة سيجعل كثيرًا من المستثمرين يحجمون عن الاقتراض، وحتى الأسعار باتت مرتفعة، متوقعًا أن تصل لمستوى 300 نقطة فأكثر، ويضيف: “في تصوري اقتصاد المملكة قادر على تحمل ذلك، لأن هناك فارقا كبير ابين العرض والطلب، فالعرض أقل بكثير من الطلب، وهذا أجبر البنك المركزي على رفع الفائدة، صحيح أن التضخم لدينا لم يصل لمستوى التضخم في الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا يعني أن الشركات ستتأثر نوعًا ما، وتقل الشهية للاقتراض وتنسحب السيولة من الأسواق المالية، وهذا يقود ف نهاية المطاف للتوازن”.

مرحلة حرجة

ويتفق جميع محافظي البنوك المركزية في الولايات المتحدة وأوروبا تقريبًا على وجوب رفع معدلات الفائدة لمعالجة التضخم المتصاعد، وما لا يزال مفتوحًا للنقاش هو أين يجب أن يتوقفوا، لا كيف.

وتصر السياسة الاقتصادية الأمريكية على الاستمرار في رفع الفائدة، للحد من التضخم الذي بلغ مستويات قياسية في الاقتصاد الأكبر في العالم منذ 40 عامًا، وأمام ذلك أكد تقرير لصندوق النقد الدولي على أن الاقتصاد العالمي يعيش مرحلة حرجة مع طول أمد الحرب الروسية – الأوكرانية، ودخولها الشهر  الخامس، ويواجه أكبر اختبار له منذ الحرب العالمية الثانية، بعد أن أدت الحرب إلى تفاقم الآثار الاقتصادية المتبقية من أزمة كرونا، مما أدى إلى تراجع النمو، ودفع التضخم إلى أعلى مستوياته في عدة عقود، وتسبب في الارتفاع الكبير في أسعار المواد الغذائية والطاقة إلى الضغط على الأسر في جميع أنحاء العالم.

الخطر المتزايد

وأضاف التقرير: “إن قدرتنا على الرد تعوقها نتيجة أُخرى هي الحرب في أوكرانيا، الخطر المتزايد بشكل حاد للتفتت الجغرافي الاقتصادي، كما تصاعدت التوترات بشأن التجارة ومعايير التكنولوجيا والأمن لسنوات عديدة، مما يقوض النمو والثقة في النظام الاقتصادي العالمي الحالي”.

وتسبب حالة عدم اليقين بشأن السياسات التجارية في خفض الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة %1 تقريبًا في عام 2019م وفقًا لأبحاث صندوق النقد الدولي، وحوالي 30 دولة قد قيدت تجارة الغذاء والطاقة والسلع الأساسية الأخرى، وحذّر الصندوق من أن المزيد من التفكك سيكون له تكاليف عالمية هائلة، مما يضر بالناس اقتصاديًا واجتماعيًا.

ليس الأداة الوحيدة

ويؤكد المحلل المالي، علي الجعفري، على أن من المتوقع استمرار التضخم العالي في الأسواق العالمية وخاصة في الولايات المتحدة وهو ما يقود لاستمرار تصاعد رفع الفائدة، لأن المستهدف هو حدود %2 بدلاً من أكثر من %8.6 حاليًا، قائلاً: “إن الفترات المقبلة سوف تشهد زيادات متسارعة، ومن المؤكد أن الفيدرالي الأمريكي لن يتوقف حتى يسيطر على التضخم، صحيح أن الرفع الأخير كان مرتفعًا بحدود 75 نقطة ولكن لأن التضخم كان مرتفعًا أيضًا، ولكن رفع الفائدة ليس الحل الوحيد للحد من التضخم، هو أحد أدوات محاربة التضخم وليس الأداة الوحيدة”.

الاقتصاديات الناشئة

وشدد الجعفري، على أن الريال مرتبط بالدولار، وبالتالي أي رفع للدولار سيتبعه الريال والعملات المرتبطة بالدولار، ويتابع: “رغم أن الاقتصاد السعودي يمر بمرحلة جيدة، وهناك توقعات نمو عالية، ولكن أيضا لدينا تضخم، وهو تضخم يطال العالم بسبب ارتفاع تكاليف الشحن، كاشفًا أن أكثر من سيتأثر هي الاقتصاديات الناشئة التي عليها قروض كبيرة، عكس دول الخليج التي لن تتأثر كثيرًا، ويتابع بتفصيل أكبر: “البنك المركزي السعودي رفع الفائدة بالتزامن مع الدولار، حتى يتجنب المضاربات على العملة ولا يكون هناك فروقات كبيرة، صحيح أنه يمكن أن يكون هناك فرق بين معدل الفائدة في الولايات المتحدة والسعودية بحسب المعطيات في كل اقتصاد، ولكنه يكون فارقًا بسيطًا، ولابد أن يكون التوجه واحدا، ويكون هناك توازن بين الاقتصادين، وباتجاه واضح”.

دوامة الركود

وحذر الجعفري، من  الدخول في دوامة الركود الاقتصادي، قائلا: “التضخم يطارد العالم أجمع بسبب الكثير من الأسباب، نحن نشاهد السلع الزراعية في ارتفاع كبير، لأن بعض الدول توقفت عن التصدير، وهناك تخوف من أن يرتفع التضخم أكثر”، مضيفًا: “ما يحصل اليوم هو تضخم ناتج عن نقص المعروض، ولهذا كان من الضروري التدخل لوضع حد لما يحدث، وتجنب الدخول في دوامة ركود أكبر والسيطرة عليه، والخوف أن تتحول الأمور لركود حقيقي مع ارتفاع العملات الرئيسية، وتكون هناك فجوات حقيقة، هي حاليًا مبالغ فيها ولكن قد ندخل في فجوات ملموسة، تؤثر أكثر على الاقتصاد العالمي وخاصة الاقتصاديات الكبيرة”.

نقص المعروض

ويحاول صانعو السياسة النقدية والأسواق تقييم مكان مستوى أسعار الفائدة (المتوازن)، أو المحايد، المستوى الأمثل حيث لا يكون الاقتصاد محمومًا ولا متعطلاً، ولكن بعد ما يقارب الـ 15 عامًا من التضخم الفاتر وتكاليف الاقتراض المنخفضة للغاية، لا أحد يعلم تمامًا كيف يبدو المستوى “الأمثل” والمخاطرة تكمن في أن يخطئ صانعو السياسة في فهم الأمر ويتركوا التضخم يخرج عن نطاق السيطرة عبر الحفاظ على الأسعار منخفضة للغاية، أو التسبب في ركود قاس من خلال زيادة مفرطة.

وتؤكد رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاجارد، “أن التحديات التي ما زلنا نواجها كثيرة”، ويقول كذلك تقرير صادر مؤخرًا للبنك المركزي الأوروبي: “لا يمكن قياس المعدل المحايد حين تهدأ ضغوط الأسعار ويكون الإنتاج قريبًا من طاقته، بل يتم تقديره فقط، وهو أيضًا هدف متحرك يتغير بمرور الوقت”، ويتابع التقرير بتفصيل أكبر: “قبل عام 2008م كان يعتقد أنه يبلغ نحو %5 في الاقتصادات المتقدمة، واليوم يعتقد مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي أنه يراوح الآن بين 2 و%3 عندما يكون التضخم عند %2”.

وفي المقابل، يتشكك محللون من جدوى رفع سعر الفائدة، معتبرين أن التضخم الحالي ليس ناتجًا عن زيادة الطلب، ولكن بسبب نقص في جانب العرض من الاقتصاد كتعثر في سلاسل الإمداد، ونقص في توفر المواد الخام، أو موارد الطاقة، بيد أن الخيار لدى دول الخليج كان صعبًا، أما المضي في موافقة السياسة الأمريكية أو تحمل تباعات ذلك من خلال ارتفاع الفارق بين عملاتها المحلية، والدولار المرتبطـــة بـــه، والــذي سيخلـق سوقًا غير مرحب بها للمضاربة في أسعار عملاتها.