عملات

تبخر تريليون دولار من القيمة السوقية للعملات الرقمية

نزيف مايو أفقدها نصف قيمتها السوقية

10 آلاف عملة رقمية يتم تداولها بقيمة سوقية بلغت 2.5 تريليون دولار عام 2021م

الهند تحتل صدارة الدول من حيث عدد مستخدمي العملات الرقمية بحوالي 100 مليون مستخدم

تراجعت عملة البيتكوين في عام 2017م بنحو %45 لتصل إلى أقل من 11 ألف دولار

السلفادور تعلن أول مدينة سيجرى تمويلها من خلال إصدار سندات بيتكوين

رغم أن عام 1983م شهد الظهور الأول للعملات المشفرة أو الرقمية، ولكنها لم تحظ بالرواج في ذلك الوقت، بسبب عدم وجود هيكل متكامل للشبكة الإلكترونية وقتها وافتقارها إلى المعايير التنظيمية للازمة للتداول، فضلاً عن المستوى التكنولوجي في ذلك الوقت، وكذلك حجم التجارة الإلكترونية، والذي لا يمكن مقارنته بالمستوى الحالي.

وفي عام 2008م ظهرت العملات الرقمية مرة أُخرى، وتحديدًا عملة البيتكوين، التي صارت أشهر وأبرز العملات الرقمية حتى الآن، وبعدها ظهرت عملات رقمية كثيرة، حتى وصل العدد إلى أكثر من 10 آلاف عملة رقمية يتم تداولها.

وقد أدت جائحة كورونا رغم تداعياتها الاقتصادية والصحية الكُبرى وتأثيراتها السلبية على شتى النواحي، إلى ازدهار قطاعات ومجالات بعينها، مثل التكنولوجيا وتجارة التجزئة والتجارة الإلكترونية، كما ارتفعت العملات الرقمية ارتفاعًا كبيرًا، بعد زيادة الاستثمار في هذا المجال، وتوجه الكثيرين إليه، في ظل زيادة البطالة والنقص الكبير في فرص العمل.

عادل شركس

الحصة السوقية

وصلت القيمة السوقية للعملات الرقمية إلى 2.5 تريليون دولار عام 2021م، واستحوذت أكبر خمس عملات رقمية على حصة سوقية تبلغ نسبتها %74.33 من إجمالي السوق، حيث سجلت القيمة المجمعة لأكبر خمس عملات نحو 1,879.68 مليار دولار من إجمالي القيمة السوقية.

وتشير الإحصاءات إلى أن الهند تحتل صدارة الدول من حيث عدد مستخدمي العملات الرقمية بحوالي 100 مليون مستخدم، تليها الولايات المتحدة بـ 27 مليون مستخدم، ثم روسيا ونيجيريا والبرازيل. وعربيًا، تأتي مصر في الصدارة، بعدد مستخدمين يصل إلى 1.7 مليون مستخدم، تليها المغرب ومن ثم تأتي المملكة العربية السعودية في المرتبة الثالثة، وذلك وفقاً لإحصائيات شركة “TripleA” التي نشرتها في يناير عام 2022م.

كريستين لاجارد

الاهتمام المدروس

وقد أخذ الاهتمام بدراسة العملات الرقمية في المملكة يزداد ولكن ضمن طروحات أكثر وضوحًا في إطار رؤية المملكة 2030م التي تهدف إلى تنويع الاقتصاد وجعل البلاد مركزاً للابتكار، وحتى الآن تُحذر وزارة المالية من التعامل أو الاستثمار في العملات الافتراضية وتعتبرها غير معتمدة، ولكن أمام إدراك المملكة للعملات الرقمية بأنها ستكون جزءًا من حراك الاقتصاد العالمي، كما يقول الرئيس التنفيذي لشركة “غالاكسي ديجيتال”، مايك نوفوغراتز، بحسب صحيفة “إندبندنت عربية” إن “السعودية تريد أن تكون مركزًا ماليًا عالميًا وتدرك أن العملات الرقمية ستكون جزءًا من هذا الحراك”، فإنه من المتوقع أن تستغل المملكة تطورها الرقمي وتنشط تحركات البنك المركزي السعودي نحو العملات المشفرة وذلك ضمن أطر أكثر وضوحًا.

انهيار مايو

وبعد أن وصلت العملات الرقمية إلى مستويات قياسية، فإن شهر مايو 2022م شهد هزات كبيرة في سوق العملات الرقمية، وصفه المراقبون بــ “الشهر الأسود” في عمر العملات الرقمية، إذ تقلص على إثرها سوق العملات بنحو نصف تريليون دولار، بسبب خسائر في قيمة العملات، قادتها خسائر في قيمة البيتكوين التي هبطت من 67 ألف دولار إلى أقل من 30 ألف دولار.

فرض عقوبات

وثمة من ربط تهاوي العملات الرقمية بارتفاع قيمة العملات الرقمية، خلال الفترة التي سبقت انهيار مايو وبين أزمة كورونا، التي دفعت الكثيرين إلى الاستثمار في هذا المجال، ولذلك، فإنه مع تراجع أزمة كورونا، وبدء انخفاض معدلات البطالة، كان من الطبيعي أن تتراجع معدلات الاستثمار في العملات الرقمية، في المقابل أرجع آخرون ذلك الهبوط إلى إعلان وزارة الخزانة الأمريكية قيامها بفرض عقوبات على بورصة العملات الرقمية، معتبرين أنها ساعدت في غسل المدفوعات لهؤلاء الذين يقومون بهجمات إلكترونية عن طريق برامج الفدية.

الأسواق التقليدية

وجاءت التصريحات المتفائلة للرئيس الأمريكي “جو بايدن”، لتصب في نفس الاتجاه المؤدي إلى تراجع الاستثمار في العملات الرقمية، حيث توقع ارتفاع معدلات النمو، وزيادة ضخ الاستثمارات في الاقتصاد، ومن ثم تشجيع رؤوس الأموال على الاستثمار في الأسواق التقليدية، وانخفاض نسبة البطالة، وكذلك الضغوط الصينية على تعدين العملات الرقمية المشفرة وإعلان 3 جمعيات تابعة للبنك المركزي الصيني، في وثيقة لهم أن المعاملات الجارية في سوق العملات الرقمية “ليست محمية بموجب القانون، وكذلك، إعلان بنك الشعب الصيني، إنه لم ولن يقبل العملات الرقمية كوسيلة دفع.

تغريدة “ماسك”

ويعتبر الكثير من الخبراء أن “القطرة التي أسالت الإناء” وتسببت في تراجع العملات الرقمية، هي تغريدة “”إيلون ماسك” في مايو بتعليق مبيعات سيارات “تسلا” من خلال عملة البيتكوين، ويبرز تأثير تصريحات “ماسك”، في ظل أن الكثير من المستثمرين قرّروا الدخول في مجال العملات الرقمية من باب الثقة في “ماسك”، ومن ثم، فإن انسحابه كان يعني بالتبعية هروب هؤلاء بشكل سريع.

الحظر في روسيا

وتتناقض المواقف الرسمية، للكثير من الدول، إزاء العملات الرقمية، ففي روسيا، دعا البنك المركزي الروسي إلى حظر العملات الرقمية المشفرة، ولكن تمت معارضة الاقتراح من بعض المسؤولين الروس أنفسهم، وطالبوا بتقنين العملات الرقمية المشفرة وليس حظرها، كما أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في وقت لاحق، أنه لابد من بذل الجهود لتقنين قطاع تعدين العملات الرقمية في البلاد، وبالفعل، فإنه بعدها توصلت الحكومة الروسية والبنك المركزي الروسي إلى اتفاق عام بشأن تنظيم سوق العملات الرقمية المشفرة في البلاد.

عملة قانونية

وفي الوقت، الذي وصفت فيه رئيسة البنك المركزي الأوروبي “كريستين لاجارد” العملات المشفرة بأنها “لا تساوي شيئًا”، فإن السلفادور أعلنت اعتماد عملة البيتكوين كعملة قانونية في سبتمبر 2021م وهو ما جعل صندوق النقد الدولي يحذر السلفادور من أن استخدام البيتكوين كعملة قانونية ينطوي على “مخاطر كبيرة” بسبب التقلبات العالية.

وفي تركيا، وعلى الرغم من أن تصريحات المسؤولين الأتراك تتأرجح بين التشجيع على تداول العملات الرقمية والتحذير في الوقت ذاته من مخاطر ذلك، فإنه من المسموح هناك بتحويل الليرة إلى عملات رقمية مثل البيتكوين، إضافة إلى أن عمليات التحويل تتم بشكل شبه فوري عبر بنوك الدولة الرسمية.

منع التداول

وعلى الناحية الأُخرى، فإن هناك العديد من الدول التي حظرت تداول العملات الرقمية، وعلى الرغم من أن القانون الأردني  مثلا لا يجرم التعامل في العملات الرقمية، لكن توجيهات البنك المركزي للبنوك تمنعها من التعامل بهذه العملات، حيث أعلن “عادل الشركس” محافظ البنك المركزي الأردني أن السلطات الأردنية قامت بحظر العملات الرقمية لعدة أسباب، أبرزها: حماية المتعاملين في هذا المجال بسبب قلة خبرتهم، وبسبب انخفاض قيمة العملة نتيجة تقلبات أسعار الصرف، وكذلك بسبب الخسائر المحتملة الناجمة عن الاحتيال والقرصنة والسرقة، خاصة في ظل عدم وجود إطار قانوني يضمن حق التظلم أمام القضاء.

سوق صاعد

ومن الواضح أن منع تداول العملات الرقمية في بعض الدول، لم يمنع الأفراد من إيجاد طرق لشرائها، سواء من خلال الوسطاء في الخارج أو الدفع نقدًا لمالك العملة.

وبشكل عام، فإن الفريق المؤيد لتداول العملات الرقمية يستند إلى عدد من المبررات والأسباب، ومنها: أن العملة الرقمية سوق صاعد، وأن تدول العملات الرقمية قد يمثل فرصة ذهبية لجذب استثمارات بالمليارات إلى أي بلد يتمتع ببنية تحتية تكنولوجية جيدة، ولذلك يجب أن يكون ذلك دافعًا لسن القوانين والتشريعات المنظمة لهذه التجارة، وليس محاربتها.

عملات افتراضية

وعلى الجانب الآخر، يرى الفريق المعارض لتداول العملات الرقمية أن لها تأثيرات سلبية على الاقتصاد الوطني والعالمي، وكذلك لكبار المستثمرين وصغارهم، وتخل بنظام السوق، للكثير من الأسباب، ومنها: أن العملات الرقمية أو المشفرة، هي عملات افتراضية وليس لها وجود حقيقي في الواقع، وليست مغطاة بأي أصول، فضلاً عن تعرضها إلى نقص المعلومات أو انتشار معلومات مغلوطة، ما يضعها تحدٍ كبير لاسيما في الاستثمار فيها، وأيضًا قد يُستخدم تداول العملات الرقمية كغطاء لأنشطة غير مشروعة، ولغسيل الأموال، ولبعض الأنشطة الإجرامية، في ظل أنها لا تخضع للرقابة بالشكل المعتاد، وغياب التشريعات التي تخصها على المستوى العالمي، وبالنسبة للفرد الذي لا يحظى بحماية قانونية خلال التعامل بتلك العملات، ولا توجد جهة مسؤولة يمكن اللجوء لها في حالة النصب والاحتيال.

استثمار غير آمن

إضافة إلى أن قيمة العملة الرقمية تخضع لعوامل غير مستقرة، وهو ما يجعل الأمر بمثابة “استثمار غير آمن” وربما “مقامرة”، خاصة في ظل غياب ضوابط كتلك المتوفرة في الأسواق والبورصات التقليدية، وأنه يتم تداولها عبر سوق صرف مخاطرة مرتفعة للغاية لاعتمادها على المضاربة من أجل تحقيق أعلى الأرباح.

وجهة المستثمرين

ومثلما هناك خلاف بين المؤيدين والمعارضين للعملات الرقمية، فإن هناك خلافًا آخر، حول مستقبل العملات الرقمية، فالرأي الأول، يؤكد أن العملات الرقمية ستحل محل الطرق التقليدية للمعاملات المالية، وأنها تمثل وجهة المستثمرين مستقبلاً، خاصة أن شركات ومؤسسات مالية عملاقة أكدت قبول مشتريات العملة المشفرة على شبكاتهم.

ليست الأولى

ويدافع أصحاب هذا الرأي، عن العملات الرقمية، مؤكدين أن الانخفاضات الحادثة خلال الفترة الحالية، لم تكن هي المرة الأولى التي تتراجع فيها العملات الرقمية؛ ففي عام 2017م تراجعت عملة البيتكوين بنحو %45 لتصل إلى أقل من 11 ألف دولار، لكنها سرعان ما عادت للصعود، وبلغت مستويات تاريخية بوصولها إلى حوالي 64 ألف دولار، وحتى في عام 2021م عندما هبطت إلى 28 ألف دولار، فإنها عادت للارتفاع مرة أخرى، لتسجل مكاسب قياسية ولتصل إلى 68.7 ألف دولار قبل الهبوط، الذي حدث في مايو 2022م.

تغيير الدماء

ويعتبر المتفائلون بالعملات الرقمية، أنه حتى إذا كان استمرار التراجع هو أحد الاحتمالات الواردة، فإنه في فترة لاحقة سيسود الهدوء ثم يتم تغيير الدماء، بدخول مستثمرين جدد في المجال، خاصة أن الافتراض الأساسي، الذي غالبًا ما يتبناه المستثمرون، هو أن سعر الأصول سيرتفع، كما أن الكثير من المستثمرين باتوا يؤمنون بأن العملات الرقمية بطبيعتها متغيرة، ومن ثم فإن أي تقلبات في سعرها، هو جزء من طبيعتها.

أول مدينة بيتكوين

وعلى مستوى الدول، ورغم انخفاض قيمة البيتكوين مؤخرًا، إلا أن هناك دولا مثل السلفادور، أعلنت عن أول مدينة بيتكوين ومطار باسيفيك الجديد، ووفقًا للحكومة السلفادورية، فإن بناء المدينة سيجرى تمويله من خلال إصدار سندات بيتكوين.

وفي البرازيل، أعلن “بنك نوبنك”، أكبر بنك رقمي في البرازيل وأمريكا اللاتينية، عن بدء تداول وحفظ عملتي “البيتكوين والإيثريوم” لعملائه، الذين أصبحوا قادرين على شراء وبيع هذه العملات الرقمية بالريال البرازيلي، لكن لن يكون بمقدورهم في البداية سحب أو إيداع أصولهم المشفرة.

جرائم اقتصادية

وعلى الجانب الآخر، فإن هناك رأيا ثانيا، يرى أن “مستقبل سوق العملات الرقمية غامض، ولا يستطيع أحد التنبؤ به” وأن الأزمة الأخيرة، التي شهدها عالم العملات الرقمية “لن تمثل النهاية لهذا السوق”، لأن هناك جرائم اقتصادية كبرى ترتبط به مثل غسيل الأموال وتمويل الإرهاب.

ويوضح أصحاب هذا الرأي، أن العملات الرقمية المتداولة في منصات التداول العالمية، مثل البيتكوين وإيثريوم وغيرهما، هي عملات غير مركزية، ويعني ذلك أنها غير خاضعة للقوانين أو الرقابة ويتم تداولها في ظروف خفية تمامًا عن أي نوع من المراقبة أو التحقق، وذلك بفضل الاعتماد على تقنيات تكنولوجية متطورة مثل البلوكشين”، وأن المستثمرين يتعاملون مع العملات الرقمية كأصل محفوف بالمخاطر، وأن الأداء الجيد لبعض العملات في بعض الفترات، ليس هو الضامن اطلاقا لازدهار تلك العملات ولكن حالة الإقبال الواسع، الذي يشهده سوق العملات الرقمية المشفرة هو ما يراه المستثمرون خطوة إلى الأمام، خاصة مع إعلان دولة السلفادور البيتكوين كعملة رسمية للبلاد.

ازدهار وتراجع

وبشكل عام، فإنه من الواضح أن ازدهار عالم العملات الرقمية وازدهاره أو تراجعه سيظل مرتبطًا بحالة الاقتصاد العالمي، وبتوجهات وسلوكيات كبار وصغار المستثمرين، فمن الواضح أن هناك علاقة عكسية بين الأزمات الاقتصادية وازدهار تداول العملات الرقمية، إذ يربط الخبراء بين صعود العملات الرقمية نهاية عام 2008م وحدوث الأزمة الاقتصادية العالمية، كذلك بين جائحة كورونا ورواج تداول العملات الرقمية، وأخيرًا الانهيار الحادث الآن في سوق العملات الرقمية، بالتزامن أيضًا مع التعافي الاقتصادي التدريجي من الجائحة.

عديمة القيمة

كذلك، فإن مستقبل العملات الرقمية يرتبط بكيفية استجابة المستثمرين والأفراد العاديين للهزات والتقلبات، التي يتعرض لها الاقتصاد والأسواق العالمية، وهل المخاوف من أن تصبح أموالهم عديمة القيمة أكبر من مخاوفهم من عدم قدرة البنوك على منحهم أموالهم؟، وفي هذا الحالة، سيكون الإقبال أكثر على وضع الأموال في البنوك، أم يحدث العكس ويكون هناك إقبال أكثر على الاستثمار في العملات الرقمية، عندما تزداد المخاوف من عدم وفاء البنوك للمودعين في حالة الأزمات المالية الكبرى.