تقنية

وظائف الـ “ميتافيرس”.. عوالم جديدة

أعمال ومهن جديدة على موعد مع احتياجات العالم الافتراضي

حجم الاستثمار في عالم “ميتافيرس” سيفوق الـ 800 مليار دولار في عام 2024م

فيسبوك تعلن اعتزامها توفير 10 آلاف وظيفة جديدة في الاتحاد الأوروبي مكرّسة لبناء عالم الـ “ميتافيرس”

في رواية تحطم الثلج (Snow Crash) للكاتب الأمريكي “نيل ستيفنسون”، صدرت منذ ثلاثين عامًا وتحديدًا في عام 1992م، حاول زوجان إنقاذ أنفسهم من العالم الواقعي مما وصفوه ببؤس الرأسمالية، وذلك بالسفر إلى مكان فضائي ثلاثي الأبعاد “الميتافيرس”، قاصدين عالما جديدا يجمع ما بين الإنترنت والواقع معًا.

الانتقال الافتراضي

ويعد “الميتافيرس” مجموعة من تقنيات الواقع الافتراضي”، والتطبيقات ثلاثية الأبعاد، مثل تلك الموجودة في ألعاب الفيديو، حيث أصبح يتم تداول هذا المصطلح الآن، للإشارة إلى قيام المستخدمين بالانتقال الافتراضى، وليس الفعلى للإنسان من مكان إلى آخر، مع إمكانية إدماجه فى عالم مواز من اختياره.

وبمعنى آخر، الانتقال عبر الأماكن المختلفة، وممارسة الأفراد لحياتهم الطبيعية، بما في ذلك التسوق وشراء البضائع، والعمل عن بُعد، ومقابلة الأصدقاء، بل وحضور مباريات كرة القدم، وفي هذا الواقع يتفاعل المستخدمون مع مستخدمين آخرين في بيئات تم إنشاؤها بواسطة الكمبيوتر، مثل أماكن العمل والتعليم والتسوق وغيرها.

متطلبات العيش

ويحتاج العيش في عالم “ميتافيرس” نظارات VR الافتراضية، والتي تتيح للمستخدمين الشعور، بأنهم موجودون في أي مكان عبر الإنترنت، وثمة مجموعة من الأساور الذكية، التي يتم ارتداؤها في المعصم، من أجل الكتابة بشكل سريع على راحة اليد، وكذلك سمّاعات الرأس، التي ترسم ملامح العالم المادي حول المستخدم أثناء تواجده في العالم الافتراضي، فضلاً عن أن هذه السمّاعات تعمل على إظهار الملامح وتعابير الوجه داخل هذا الواقع الافتراضي، ومن المتوقع بالطبع أن تظهر بعض الأدوات الأخرى مستقبلاً.

حتمية الاهتمام

وبالنظر إلى بعض الأرقام والإحصائيات، يتبين أسباب حتمية الاهتمام بعالم الـ “ميتافيرس”، إذ وصل حجم الاستثمار فيه عام 2020م إلى ما يعادل الـ 46 مليار دولار، فيما بلغ حجم سوق التعاملات في مجال العقارات والإنشاءات الافتراضية نحو 501 مليون دولار خلال عام 2021م، ومن المتوقع أن يصل حجم الاستثمار في عالم “ميتافيرس” إلى ما يفوق 800 مليار دولار عام 2024م.

وقد قامت شركة مايكروسوفت العالمية بالاستثمار في عالم “ميتافيرس”، باستحواذها على شركة “أكتيفيجن بليزارد”، بهدف الدخول بقوة في مجال الألعاب الرقمية، وعالم الترفيه الافتراضي.

مطاعم افتراضية

وغيرت شركة فيسبوك (Facebook) تسميتها إلى ميتا (Meta) متوقعةً أن تتحول منصتها الاجتماعية إلى عالم افتراضي ثلاثي الأبعاد، فور توفر الأجهزة ثلاثية الأبعاد المُناسبة وشبكات الـ 5G، فيما أعلنت “والت ديزني” عن رغبتها في بدء تشييد حديقة خاصة بعالم ديزني في العالم الافتراضي، فإن “ماكدونالدز” قامت بالبدء في إنشاء أولى مطاعمها الافتراضية داخل عالم “ميتافيرس”.

وإذا كان عالم الـ “ميتافيرس” ما هو إلا نموذج افتراضي للواقع الحقيقي، بمميزات وتسهيلات مختلفة، فلا شك أن كل الأنشطة التجارية والمالية، وتقديم الخدمات وأداء الأعمال المختلفة، ستكون متاحة، في الواقع الافتراضي.

التداول الرقمي

وفي عالم الـ “ميتافيرس”، سيكون متوفرًا أيضًا مطاعم وكافيهات خاصة للمستخدمين، ولكن الفرق، أن التعامل فيها سيكون من خلال التداول الرقمي الافتراضي، كما بدأ الاستثمار في سوق العقارات الافتراضية من خلال تصميم الوحدات السكنية والتجارية.

ومع التغيرات الجذرية التي يفرضها عالم “الميتافيرس” في مفاصل الحياة ومجالات الأعمال بشكل كامل، ما يؤشر بظهور وظائف جديدة تواكب الشكل الجديد لهذه الأعمال، فمع كلّ تقنية تكنولوجية جديدة تُصنَع، تفرض اختصاصات جديدة لتحفظ مستقبلها واستمراريتها.

ومن المتوقع أن تنطلق العديد من الفرص الاقتصادية الجديدة، وفرص العمل، في ظل أن تلك التكنولوجيا القادمة سيكون لها دورها الإيجابى فى خلق آلاف فرص العمل للشباب، وخاصة فى مجال الرقمنة، والمجالات الإبداعية المختلفة والهندسة وإدارة الأعمال، وقد أعلنت فيسبوك بالفعل عن اعتزامها توفير 10 آلاف وظيفة جديدة في الاتحاد الأوروبي مكرّسة لبناء عالم الـ “ميتافيرس”.

المهارات الجديدة

وكانت شركة “كورسيرا”، هي شركة تعليمية عبر الإنترنت، قد توقعت عبر أحدث تقاريرها عن اختفاء نحو 85 مليون وظيفة حول العالم، مقابل استحداث 97 مليون وظيفة ستظهر بحلول 2025م، كما أشار التقرير إلى أن أكثر من مليار شاب حول العالم سيدخلون سوق العمل وأن %40 منهم سيجدون الوظائف المناسبة لهم، وستعتمد الوظائف بالأساس على عدد من المهارات منها، المهارات الشخصية: كاتخاذ القرار والابتكار، ومهارات التواصل مثل: التعاون، وإدارة المشروعات، والمهارات التقنية: كالبرمجة.

ومن الوظائف الجديدة، والهامة التي ستظهر، تحليل البيانات في هذا العالم الافتراضي للأنشطة التجارية والاقتصادية المختلفة، بل وستكون هناك حاجة أيضًا لدراسة السلوك الإنساني في عالم الـ “ميتافيرس”، كما أن هناك خبراء، سيكون دورهم هو الأبحاث الخاصة ببناء تطبيقات “ميتافيرس”، وبتطوير النماذج الرقمية الأساسية والبنية التحتية المرئية القابلة للتنفيذ في عالم الـ “ميتافيرس”.

أفضل الوظائف

وقد نشر موقع Analytics Insight، أفضل وظائف ميتافيرس التي يجب أن يستعدّ العالم لها، كعالم أبحاث “ميتافيرس”، ومهندس Block chain، واستراتيجي NFT يكون لديه معرفة وفهم عميقان لتكنولوجيا block chain ومجال وظائف الميتافيرس، وسيكون مسؤولاً عن تحليل اتجاهات الصناعة لتقديم رؤى وفرص قابلة للتنفيذ، ومخطِّط ميتافيرس ومطوِّر (ecosystem)،  ومهندس برمجيّات ميتافيرس، ومدير سلامة ميتافيرس، فضلاً عن مسؤول أمن ميتافيرس السيبراني، وعالم بيانات ميتافيرس، وخبير خدمات ميتافيرس السحابية ليتأكّد من أنّ جميع البيانات المخزّنة في ميتافيرس آمنة، ويمكن الوصول إليها من قِبل الأفراد المصرَّح لهم فقط.

عدم كفاية المواهب

ويتطلب كذلك، عالم “ميتافيرس” مهندسين ومسؤولين تقنيين لتنفيذ وإنشاء block chain رقمية لحلول المؤسسات، ومطورين ecosystem مسؤولين عن التنسيق مع الشركاء والحكومات، لضمان قابلية الوظائف الحالية، للتنفيذ على المنصة الكبيرة المعدة لذلك، وربما يستغرق ذلك بعض الوقت نظرًا لعدم كفاية المعروض من المواهب اللازمة لتطوير ودعم أنظمة ecosystem.

وبحسب شركة Glass door، تصدرت وظائف التقنية قامة أفضل 50 وظيفة في أميركا لعام 2022م؛ إذ احتلت 9 منها المراكز العشرة الأولى للقائمة، وهو ما أرجعه كبير الاقتصاديين وعالم البيانات في Glass door، دانييل جاو، إلى الجائحة التي أعلت من قيمة البيانات نظرًا لمدى حدة التغييرات التي أحدثتها الأزمة وعدم القدرة على التنبؤ بها، وبالتالي تلجأ المزيد من الشركات إلى البيانات في الوقت الفعلي لفهم ما يجري واتخاذ القرارات.

الواقع المعزز

وبالطبع، سيكون هناك خبراء في الأمن الإلكتروني والسيبراني، باعتيارهم هم المؤهلون لمواجهة الاعتداءات في هذا العالم الافتراضي، كما سيكون عليهم المشاركة في إعادة النّظر في القوانين والبروتوكولات وتعديلها، وحتى ابتكار التطبيقات والمنصات، التي يُمكنها اكتشاف جميع المخاطر التي تنطوي عليها ميتافيرس.

وفيما يتعلق بالقطاع الصحي والطبي، فمن المتوقع أن تسهم تقنية الواقع المعزز في تشخيص المرضى والفحص الدوري عليهم، فضلاً عن التدريب على العمليات، كما سيكون متاحًا أن يُجري أخصائيو القلب مثلاً جراحات قلب مفتوح، وهم على بعد آلاف الأميال عن المريض، باستخدام روبوتات دقيقة، وباستخدام أجهزة الواقع الافتراضي.

تكاليف الأعمال

وأخيرًا، فإن هذا العالم الجديد سيؤدي إلى خفض تكاليف الأعمال المتعلقة بالاجتماعات والمؤتمرات بشكل كبير، فلن يكون هناك داعٍ للسفر بالطائرات لعقد اجتماعات أو لمتابعة الأعمال، في ظل إمكانية حدوث ذلك، في العالم الافتراضي الجديد، حيث يتوقع “بيل جيتس” أن تنتقل معظم الاجتماعات الافتراضية من شبكات صور الكاميرا الثنائية الأبعاد إلى أى مساحة ثلاثية الأبعاد، فيها صور رمزية رقمية، في غضون العامين أو الثلاثة أعوام المقبلة.

ومن المرجح أن يسارع حوالي %84 من أصحاب الأعمال باعتماد التحول الرقمي في إجراءات العمل، بما في ذلك التوسع بدرجة كبيرة في العمل عن بعد، ويقول أصحاب الأعمال إنه من الوارد أن يقوموا بتحويل حوالي %44 من العاملين إلى أسلوب العمل عن بعد، غير أن %78 من قادة الأعمال يتوقعون أثرًا سلبيًا على إنتاجية بعض العاملين.